عبد العزيز المقبالي صديق عماني، تعرفت عليه عن طريق الفيسبوك قبل زيارتي للسلطنة وربما لمدونة شعارات الفضل في هذا!!، ولم أعلم أنه من السلطنة حينها، حتى فوجئت بالموضوع ذات يوم.

عبد العزيز على يسار الصورة باللحية.
أول لقاء لي به في مسقط، كان من خلال دعوة منه لي لحضور لقاء بعنوان “الأمور طيبة” تنظمه مؤسسة/شركة “رؤية الشباب” التي هو أحد مؤسسيها – على حد ما فهمت -.
حضرت اللقاء وأنا بالكاد أعرف عبد العزيز نفسه، ووسط مجموعة من الشباب والشابات العمانيات المتخرجين حديثا من الجامعة، نشط الندوة مفكر عماني اسمه “صادق اللواتي” وتناقش فيها الشباب مع المفكر في أمور عديدة، تستطيع مطالعة محتواها في هذا الخبر.
ما أعجبني هو الحوار والنقاش الذي كان واضحا حول أمور معينة تخص السلطنة، فالأسئلة التي طرحها الشباب والشابات تخص المجتمع العماني وإلى أين يسير ومستقبل البلاد عموماً وكيف يمكن إصلاح ما هو فاسد، ومناقشة الحديث المتصاعد وقتها حول الدستور التعاقدي وهل السلطنة بحاجة لمثل هذا الدستور، بين مؤيد ومعارض له وبالخصوص بين النخبة المثقفة.
هذا النقاش الذي ربما لم نكن لنتخيل شيئاً مثله لولا المظاهرات والاحتجاجات التي نالت سلطنة عمان جزءً منها مثلما حدث في البلدان العربية خلال تلك الفترة.

جانب من ندوة “الأمور طيبة”، أ.صادق اللواتي على يمين الصورة.
دعونا نعود إلى الوراء قليلا، عند مجيئي للسلطنة وخلال الأسبوع الأول كان الهدوء والسلام هما الانطباع الأهم الذي أخذته عن تلك البلاد، اتصلت بالوالدة اخبرها أن هذه هي أهدى بلاد الله فلا وجود للمشاكل، والأمان والطمأنينة أهم مميزاتها، وهذا ليس سوى إنطباع عام.
وبسبب هذا الانطباع كتبت تدوينة بعنوان “الأمان الذي في سلطنة عمان“.
بعد هذا الأسبوع مباشرة وبسبب أحداث تونس وأحداث القاهرة فوجئت أو لأقول صدمت بخبر مظاهرات في سلطنة عمان، والصدمة أتت عندما سمعت أنباء عن أعمال شغب وتخريب في ولاية صحار، وأن المتظاهرين في قمة الغضب والتوتر، وأن تعامل الأمن مع الموضوع لم يكن في المستوى، بعدها بفترة قصيرة تصاعدت حدة المظاهرات وتوسعت، متزامنة مع بدء أحداث ليبيا واليمن، ما هو رسمي وما سمعته حينها هو وفاة أحد المتظاهرين مما زاد من توتر الموقف.
وخلال الأشهر التالية زادت الاعتصامات، ولكن ليس بالشكل المبالغ فيه الذي صورته الجزيرة – كعادتها – منذ اندلاع الأحداث العربية، حتى أنها قالت بأن المتوفين هم سبعة في حين أنه واحد فقط، بل واصطلحت عليهم كثوار وهم ليسوا سوى متظاهرين ومحتجين، وتعامل السلطان قابوس مع الأحداث وكما عرف عنه بحكمة، فنحى إلى الحكمة في التعامل، بأن لا يكون بين المتظاهرين وبين الأمن أدنى احتكاك.

في اتصال آخر بوالدتي قالت لي “هل تكذب علي؟” تقول بأنها بلاد هادئة وآمنة؟ الجزائر المهددة في كل لحظة بأحداث غير متوقعة ولم يحدث فيها ما حدث في عمان؟
لكن لا تغرنك هذه المعلومات، التي تجعلك تتصور فيلم أكشن على طريقة الجزيرة والعربية، فالاختلاف في سلطنة عمان أن المظاهرات التي بدأت سريعا ثم خبت شيئا فشيئا خلال بضعة شهور، لم تكن مطلقا كالتي في مصر أو تونس ضد النظام، بل كانت مظاهرات لأجل مطالب اجتماعية ولمحاربة الفساد في الحكومة، وستفاجئ لو اخبرتك بتلك الكلمة الموحدة الداعمة للسلطان بكل قوة لأجل هذه المطالب بعكس ما تصور عرب كثيرون وأنا منهم أنها ضده.
ولأن الذي جرى كان سابقة في تاريخ السلطنة منذ تولي السلطان قابوس مقاليد الحكم من 40 سنة، بسبب أعمال الشغب والتخريب الذي حدث وبالتحديد حرق بيت والي صحار، فقد صدم العمانيين أنفسهم، فهم لم يتصوروا مطلقا أن يقوم أبناء بلدهم بالقيام بأمر مشابه، أو أن يتعصب أحد العمانيين ويتهور لهذه الدرجة، بعكسنا نحن الجزائريين حيث يستطيع المواطن البسيط العادي في لحظة غضب واحدة حرق الأخضر واليابس أمامه ولن يهمه لو تم سجنه طيلة عمره بعدها ولن يكون الامر غريبا بالنسبة لنا.
الآن اختلف الوضع في مكتب العمل لدينا، فالكلام الهادئ واللطيف الذي صادفته في الأسبوعين الأوليين تغير وحل محله توتر ونقاشات حادة أحيانا بين الموظفين، بسبب ما جرى ويجري، ولا ننس أن في تلك الفترة كثير من الناس تحمسوا للأحداث العربية بعد سقوط النظام التونسي والمصري، حيث الربط المباشر بين ما يجري في عمان وبين ما جرى في تلك البلدان، لكن النقاشات جلها كانت ترفض تلك المظاهرات والأعمال وتراها إثارة للفتنة مع دعم للإصلاح ومحاربة الفساد ومحاسبة المفسدين والمسؤولين.

أ.صادق اللواتي.
الملاحظ أن العمانيين وقبل تلك الأحداث بأيام، سألوني “متى الثورة لديكم في الجزائر؟” كانت إجابتي لهم “أننا لا نريد تلك الثورة، ولسنا في حاجة لها“، وكانوا يستغربون ما أقوله لهم، وكلامي حول العشرية السوداء في الجزائر وآثارها علينا نحن الجيل الشاب، – الملاحظ – أنهم فطنوا واستوعبوا جزءًا كبيرا مما كنت أعنيه من كلامي بعد تلك الأحداث. فنعمة الأمن لا يعرفها إلا من ذاق طعم فراقها طيلة عشر سنوات كاملة وأكثر. فكيف بمن تحسس جزءًا يسيرا جدا من هذا الفراق.
بالنسبة للمتظاهرين والمعتصمين، وبالإضافة إلى الغالبية من العمانيين من حادثتهم، كانت هناك أسماء معينة تطالب بإقالتها من على رأس الحكومة، وأنها أسماء مرتبطة بشكل وثيق بالفساد – بحسب ما يقال – ، وعلى رأس هذه الأسماء “علي بن ماجد” وزير المكتب السلطاني و”علي بن حمود” وزير ديوان البلاط السلطاني.
ولأن المفاجآت توالت علي سريعا حينها، فقد أصدر السلطان قابوس وخلال تلك الفترة القصيرة من بدء المظاهرات والاحتجاجات مراسيم سلطانية أو قرارات هامة منها إقالة الحكومة نفسها وإقالة 12 وزيرًا من بينهم وزير المكتب السلطاني ووزير ديوان البلاط السلطاني، والحقيقة أنني ما كنت أتوقع ليفعل ما فعله، فقد تصرف بسرعة وبحكمة، حتى أن اسم علي بن ماجد كان يبصم لي الكثيرون أنه لن يسقط بل يستحيل سقوطه كونه كما يقال مقرب جدًا من السلطان.
جزء كبير من احترامي للرجل يأتي بسبب ما قام به خلال هذه الأحداث، فقد استطاع وخلال فترة وجيزة امتصاص الغضب المتسارع بحلول واضحة وقرارات لا لبس فيها وغير ملتوية.
بعد هذه المراسيم أو القرارات، خفت حدة المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات في السلطنة بشكل تدريجي، أضف لها أوامر السلطان بتوفير 150 ريال – 390 دولار شهريا – لكل عاطل وباحث عن العمل في حكومة عمان وتوفير خمسون ألف وظيفة، حتى وإن اعتبرها عدد من الأصدقاء العمانيين أنها لا تكفي، فالحل يجب أن يكون جذرياً وفي العمق، وهذا مجرد حل مؤقت لتهدئة الناس.
أظن أن ما جرى هو السبب الرئيس في الكلام المتواصل حول الإصلاح ومستقبل السلطنة والمجتمع العماني وحول الدستور التعاقدي والنقاش الدائر بشأنه.
طبعا أكتب هذا من وجهة نظر شخص زائر دائما، شخص خارجي يلاحظ فقط ويتحدث عما شاهده، إلا أن الحقيقة التي اكتشفتها هي بشأن تلك الصفحة الهادئة والبيضاء التي فرحت بها وشاهدتها باستمتاع في الأيام والأسابيع الأولى من زيارتي كانت تخفي أشياء أعمق في الداخل، لا يعرفها إلا أهلها، ووحدهم هم من يعرفونها وطبيعتها وحلولها، لذا لم أشأ كثيرا الدخول في تفاصيلها، فأنا شخص عامل يبحث عن رزقه وعن مكان هادئ بعيد، وعن أشخاص طيبين يمضي معهم أوقات طيبة لا أكثر، وعندما أجدني بدأت أتحمس في الحديث أكرر لهم عبارة “أنا مليش دعوة“.