إعادة العمل

ReWork

فيما يلي بعض الحديث الذي أعجبني وجذبني من محتوى كتاب Rework الذي أصدرته شركة 37 إشارة (37signals) الشهيرة بتطبيق Basecamp وإبتكارها للغة Ruby on Rails البرمجية ومكتبتها، الكتاب يتحدث ليس فقط بشكل ثوري عن بيئة العمل، بل عن أمور كثيرة تتعلق بالشركات وأسلوب عملها ككل، لكن شخصياً ما كان يهمني هنا هو أسلوب العمل الداخلي. وهذا لا يعني أني أستطيع تنفيذ كل شيء.

– إبدأ شيئا، لا تنتظر حتى تتوفر لك الظروف حتى تتعلم كيف تنتج شيئاً ما، المخرج الشهير ستانلي كوبريك قدمها كنصيحة خاصة للمبتدئين، احمل كاميرتك وابدأ في صنع فيلم ما، لا تنتظر أحد، وعندما تبدأ في شيء فقد بدأت مرحلة تعلم جديدة. لن تتعلم الكتابة والتدوين مالم تبدأ مدونتك الآن وتنشر حتى وإن كانت مليئة بالأخطاء اللغوية، وبالتأكيد ستتعرض للهجوم، ثم ماذا؟ ستنتهي حياتك؟ افعلها.

– تقبل فكرة المحافظة على فوضى أقل، تلك الفوضى التي قد تتزايد وتتمثل في أشياء مثل الاجتماعات ومراحل العمل الطويلة التي تضعها لنفسك أو تضعها شركتك، وحتى برامج نظام التشغيل والقوانين الداخلية للشركة. بعض الشركات صار همها تنظيم العمل وتعقيد هذا التنظيم وتخلت عن هدفها الأساسي وهو ما تقدمه.
اجعل أمورك سهلة، إجعل الفوضى أقل لتستطيع تغيير أي شيء، تستطيع ارتكاب الأخطاء ومعالجتها بسرعة، تستطيع تغيير أولوياتك، منتجك، وحتى تركيزك، وأهم شيء تستطيع تغيير رأيك.

– فكرة التعلم من الأخطاء أخذت أكبر من حجمها، يتداول الناس فكرة أن لا نجاح إلا من بعد فشل، وأن السبيل الوحيد للتعلم هو الفشل، وأن الفشل يكوّن شخصية المرء، حسنا هذا أمر مغلوط، أخطاء وفشل الآخرين لا يعنيك في شيء، كل حالة مختلفة عن الأخرى. ومن ناحية أخرى ما المقصود بالتعلم من أخطاءك؟ لا يوجد شيء ستتعلمه من خطأ سوى أن تتفادى هذا الخطأ مستقبلاً، لكن لو قارنته مع الذي تعلمته خلال نجاحك هو كل ما قمته به، إذا عملت على منتج ما ونجح فإن الذي تعلمته هو كل ما مررت به خلال عملية الانتاج، لقد تعلمت ما الذي سيجعل منتجك ينجح، فكيف يتم حصر التعلم بالأخطاء فقط؟

– الاجتماعات سم حقيقي، حسنا هذه لم استطع تلخيصها لأن كل كلمة فيها مهمة جدا، لذلك إن وجدت طريقة لإنجاز الأمور دون اجتماع كان أفضل. الاجتماعات تضيع للوقت والجهد، هدفها الرئيسي ليس أبدا اتخاذ القرارات، بل الاتفاق المبدئي على نقاط معينة. لماذا لا تكون الاجتماعات في الدقائق القليلة التي تلتقي فيها بالموظفين أثناء إعداد كوب من القهوة؟ أو وقوفًا في الممر بشكل سريع؟! المهم قلل الاجتماعات.

– لست بحاجة لعشرة موظفين، قد يفي ثلاثة بالغرض وتسليم الأعمال. كما أنك على الأغلب لست بحاجة لمكتب كبير، وتفاصيل كثيرة في الديكور، استفد من مشاركة مكتبك مع شركة أخرى. هل أنت بحاجة لقسم في تقنية المعلومات أم تستطيع توكيل العمل لطرف خارج الشركة؟! الأمور سهلة كما ترى، تستطيع الاستغناء عن أشياء كثيرة ولن تؤثر في عملك ولن تشغلك عن جودته.

– هناك دوما مزيد من الوقت لانجاز أشياء أكثر. حجة انعدام الوقت حجة باطلة، يمكنك بقليل من الجهد أن توفر ساعات أسبوعية لتعلم لغة جديدة، أو للعمل على مشروعك الجانبي الذي قد يتحول مستقبلا لمشروع حياتك. لا تنتظر “الوقت المناسب” لفعل الأشياء التي تريدها، لأنه لا وجود لوقت مناسب!

– اعرف جيدا ما تريده، أن تكون فردا طيعا ضمن القطيع هو أمر في الغالب لن يوصلك إلى أي مكان، عندما تعمل ضمن شركة جديدة عليك أن تعرف بالضبط لماذا تعمل مع تلك الشركة؟ ومالذي تود العمل عليه وما هي طموحاتك فيها؟ المشكلة تبدأ حين تقدم تنازلات لترضى عنك الشركة، والسبب في أنك عندما تحدد ما تريده فإنك ستصطدم مع الآخرين الرافضين لموقفك مما تريده. قد تواجه هذا كموظف ضمن شركة، حيث قد تعمل على أشياء لا تريدها ولا تحبها ثم تجدك تبتعد شيئا فشيئا عما جعلك تلتحق بهذه الشركة، ثم تقدم أيضا تنازلات يوما بعد الآخر لأنك مضطر لكسب المال لأجل العيش، والنتيجة أنك تختفي ويبهت نشاطك خلال سنوات قليلة. اتخاذ موقف واضح من عملك كموظف أو كشركة لها أسلوبها في العمل سيجعل الآخرين يصفونك بالوقح. لكن لا بأس بذلك 🙂

– تخلص من المقاطعات أثناء العمل، المقاطعات هي العدو الأول للانتاجية، ركز أثناء عملك، لن تصدق حجم الانتاجية التي قد تصل إليها إذا ركزت على عملك خلال ثلاث أو أربع ساعات يوميا دون مقاطعات، أغلق الهاتف، تجاهل محادثات العمل وحتى فنجان القهوة أو الشاي، لست بحاجة لإعداد فنجان قهوة كل ربع ساعة. عوّد زملاءك على احترام فترة الانتاج لديك. بسبب صعوبة الأمر في شركات تتطلب تواصلا يوميا ولحظيا بين موظفيها يلجأ البعض إلى الحضور قبل ساعات دوامهم بساعتين أو ثلاث ليكسبوا الوقت من أجل الانتاجية. (بالمناسبة أنا صفر حقيقي في هذا الموضوع، أشتت نفسي بسهولة تامة).

التعليقات: 0 | الزيارات: | التاريخ: 2016/12/04

الافتراضات

ربما كان تأثير هذه التدوينة بسبب أحد الحوارات التي أجريت مع الممثل والمغني الأمريكي جيراد ليتو حين ذكر أن فترة دراسته في معهد الفنون وتجربته لأشياء كثيرة جعلته يدرك أن لا أحد يقرر ما ستكونه، ولست بحاجة لمبرر أو لإذن أحد حتى تمارس مهنة ما أو لتفعل أمرًا ما في حياتك، بإمكانك أن تكون مصممًا وممثلًا ورائد أعمال في نفس الوقت أيضًا، من الذي وضع قانونا لكل هذا؟ يمكنك السفر عبر العالم إن كنت تستطيع ذلك، ما الذي يمنعك؟

يعيدني هذا الكلام إلي التشويه الذي طال فكرة النظام التعليمي برمته، النظام التعليمي ومن فترة طويلة تحكَّم في مصائر الناس، حيث بات لدى المجتمعات أن الحصول على مهنة ما يتطلب التحصيل الدراسي العالي ومن معاهد عالية، ارتبطت الحياة بشكل جذري ولعقود طويلة بالنظام التعليمي، مع إقصاء متعمد لكل من فشل في التعامل معه، يضمن النظام التعليمي فرصة لتحصيل علمي ثابت ومتطور مع الوقت، لكنه يفترض أنه بدونه لا يحق للانسان القول بأنه متعلم! حاليا بدأ وعي عدد قليل من الناس بأن التعليم غايته التعليم، وليس التحكم بمصائر الناس أو الحكم عليهم وعلى مستواهم. كما بدأ الاهتمام بالتعليم المنزلي والتعليم الذاتي، لدينا نماذج كثيرة لبشر حققوا نجاحات مهنية باهرة والتحصيل العلمي لبعضهم لم يتجاوز الابتدائية أو الثانوية بحسب النظام التعليمي الرسمي عبر العالم، كما أعرف أشخاصًا كثرًا من بيئتي حققوا استقرارًا مهنيًا وازدهارًا ماليا دون تحصيل دراسي يذكر، وآخرون توقفوا عن التعليم الرسمي، واتخذوا طريقا خاصا بهم في تعليم ذاتي مذهل وابتكروا منتجاتهم الخاصة. لكن النظام التعليمي الحالي لا يعترف بنجاحاتهم، ومهما كانت خبرتهم المهنية والحياتية ترفض الشركات منحهم الفرص أو التأكد من مستواهم حتى. ويبقى المجتمع ينظر لهم دوما كمتخلفين مع أنهم يمثلون العبقرية في حد ذاتها.

إلى جانب هذا يفترض كثيرون أن اختيار مهنة معينة يعني أن تلتزم بها طوال حياتك، أو على أقصى تقدير أن تتطور فيها إدرايا إن كانت من الحِرف، لكن أن تمارس مهنة أخرى جديدة هو أمر مستهجن. هذا الافتراض كنت أؤمن به شخصيا لفترة من حياتي، لكني الآن أقول ما المانع في الأمر؟ هل هناك قانون يمنع الناس من ممارسة مهن جديدة؟ هل هناك عقاب سيحل بهم إن قرروا العمل في مجالات متعددة؟ هل هناك أمر الهي بالتزام مكاتبنا ومحلاتنا؟ الإجابة بكل تأكيد “لا”؛ لا يوجد شيء من هذا القبيل، اذن ما الذي يفعله البشر بأنفسهم؟ لماذا يقيدون أنفسهم بمهنة واحدة طوال حياتهم؟ ولماذا يفترضون أنهم بحاجة لمبرر أو إذن ليمارسوا مهنة أخرى؟

أقول هذا الكلام ربما لأقنع نفسي أن التصميم الغرافيكي ليس نهاية المطاف، أنا جيد في عملي، لكن هل فعلا يستحق أن أبقى فيه طوال عمري؟

افتراض مكمل للافتراضين السابقين، وقد تحدثت عنه من قبل، افتراض أن الزواج شيء اجباري في حياة البشر، لن يعجب هذا القول الكثيرين، شخصيا أرى أن الزواج قرار مهم له تبعات ومسؤوليات وتجربة عالية المستوى في مشاركة الحياة مع طرف آخر وتكوين أسرة، لكن مثل أي شيء آخر قد تنجح أو تفشل، ورأيت في حياتي من فشل في زواجه، ومن أكمل زواجه وهو لا يستحق أن يقال عنه أب. واستمرار الزواج في كل الأحوال لا يعني نجاحه. هذه نقطة وهي لا تنفي التجارب الناجحة، النقطة الثانية من افترض أن المجتمع له الحق في إجبار الناس على الزواج؟ أو أن حياتهم يجب أن تمر على نفس المراحل؟ لكل شخص نظرته للحياة التي يريدها، ويمكنه أن يعيشها بالشكل الذي يريد دون أن يتسبب بالضرر للآخرين. يقاوم المجتمع هذه الفكرة ويفترض أنك طالما تنتمي إليه فيتوجب عليك الانصياع لأسلوب الحياة العام. يثير استغرابي أن الناس لا ينتبهون مطلقا لفكرة أننا على هذا الكوكب لنحيا الحياة ونعيشها بسلام وتفاهم، وأن الأرض أوسع مما نتوقع، وأننا ضئيلون جدا لنهتم بحياة الآخرين ونكدر عيشهم بحسب افتراضاتنا، أو نفرض على بعضنا قوانين مجحفة فقط لننال الرضى النفسي وننضم إلى القطيع! لماذا يكترث المجتمع بمن ترتبط؟ ولماذا يتدخل في قرار لا أحد سيتحمل نتائجه سواك؟ يذكرني هذا بمؤسسة اشتغلت بها منذ سنوات لا ينفك موظفيها عن الحديث عن الزواج بشكل متواصل، ويريدونك أن تتزوج الآن قبل الغد، فقط لأنهم يرون هذا ضروريا، لكن لا أحد منهم يفتح فمه لو حدثته عن التفاصيل المالية لزواجك، هو لا يريد أن يضع نفسه مكانك ليري ظروفك الخاصة وهل ستتحمل تبعات الزواج أم لا، هو فقط يريدك أن تتزوج ليرضي فكرته الشخصية أو الدينية أو الاجتماعية أو أيًا كانت، هو من البداية لم يفكر إن كنت راغباً في الأمر أم لا؟!

الافتراضات لا تنتهي، لماذا يفترض المصممون أن جهاز الماك من آبل هو السبيل الوحيد لممارسة مهنة التصميم؟ رأيت غباءً منقطع النظير من مبرمج تطبيق Glyphs لتصميم الخطوط حيث يفترض أن صناعة الخطوط أمر يخص الماك فقط، وهو ما يهدم فكرة أن لا شيء في عالم التقنية ثابت أو يخضع لقانون معين، الأنظمة والبرمجيات الحرة تهدم هذه الافتراض الخاطئ حول حصر صناعة معينة بتقنية معينة، أنت حر في استخدام بل وصناعة النظام الذي تريد والتقنية التي تريد لفعل ما تريد، ولا أحد يملك ان يعيقك عن فعله.

يفترض الناس أن السفر يتوجب أن يكون محدداً ولأمكان معينة، يعجبني المغامرون من لا يتقيدون بوجهة معينة، من فجأة يقطعون روتينهم في أوقات مفاجئة من أيام دوامهم ليسافروا لوجهات غير متوقعة، يرى الناس أن هذا جنون ولا يليق، لكن من وضع هذا الافتراض؟ من قال بأنه يتوجب عليك السفر في وقت معين وأن السياحة تتوجب للوجهات العالمية المعروفة؟ شخصيا لا أحب أوروبا وفرنسا على وجه التحديد كوجهة سياحية، كما لا اهتمام لدي برؤية الأهرام في مصر، في الحقيقة الافتراض في الوجهات السياحية هو جزء مكمل للافتراض القائل أن العمل والنجاح يتوجب أن يكون في دول بعينها، يستغرب البعض من اصراري على العيش في بلاد هادئة مسالمة لا تضج بالفعاليات. يسقط الناس من حساباتهم الرؤية الشخصية للفرد نفسه في اختيار أسلوب حياته وأي بيئة يبحث، ويفترضون أن العيش السعيد بالضرورة يكون في دولة ومدن بعينها.

التعليقات: 0 | الزيارات: | التاريخ: 2016/10/26

أن تتخلص من السائد

يصفك البعض بالجبان عديم المقاومة، كنت مقتنعاً ذات مرة بهذا، لكن ككل شيء تتغير نظرتك للأفعال والخيارات التي تقوم بها أنت أو غيرك، تفضل الابتعاد عن وجع الرأس قدر الإمكان، لا تحب التفاصيل التي تستهلك وقتك، تفضل رؤية الصورة الأكبر، كان هذا واضحًا يوم اتخذت قراراً في هاتفك بالابقاء على برنامج دردشة واحد فقط مرتبط جله بعملك ويزعجك اصرار عائلتك على استخدام تطبيق آخر، يستغرب من حولك عن عدم استخدامك لتطبيق واتس آب الشهير، تطبيق استخدمته لفترة محدودة وللضرورة قصوى عندما أردت استئجار شقة جديدة وكان صاحبها يصر على استخدامه حتى ينتهي من التصليحات.

لم تعد تستخدم الفيسبوك منذ أكثر من سنة، متابعة الأحداث عليه تستنزف الوقت والجهد والأعصاب، الدخول في نقاشات بعضها حاد حول ما يتوجب عليك نشره في حسابك وحول وما لا يتوجب، يدعي الفيسبوك أنه قرب الناس وأفكارهم من بعض ووفر حرية التعبير، لكن تجربتك الطويلة تبثبت عكس ذلك، في البداية يبدو أن هناك تقارب للأفكار، لكن في عمق التجربة تجد أن الاستقطاب هو سيد الخدمة كلها، تنهار بعد سنوات لتصل للحل وهو المقاطعة والتخلي عن الحساب وتركه فارغاً بدون تحديث، تمر بشكل سريع على ما يخطه الآخرون ثم تنسى الموقع والتطبيق مع الوقت.

التخلص من الفيسبوك في نظر الآخرين كان شيئاً متهوراً، يعتادون عليك ويبغضونك، لكنهم لا يتقبلون فكرة أن تترك لهم المنصة كلها وترحل دون إخطار، لا يدركون أنك قررت التخلص من السائد الذي صار يثقلك، بت تفكر في البساطة والأفكار المركزة.

ينحى نمط حياتك منحى جديداً، تصر على نوع واحد من الملابس لكي ترتديها، لم تعد ترتدي سوى بناطيل وقمصان من ماركة واحدة، والأحذية من ماركة أخرى، المفارقة أن المحلات متجاورة، تشتري أربع بناطيل من نفس النوع واللون والقياس مرة واحدة، كما أن قمصانك كلها بنفس التفصيل والألوان متقاربة، الأحذية كذلك متشابهة، لا تغير هذا الأسلوب سوى في المناسبات المهمة، تدخل غرفتك فلا تجد بها سوى سريراً بسيطاً وخزانة ملابس تكفي ملابسك القليلة، ومكتبك بسيط التصميم باستثناء الكرسي المريح. لا يحتوي سكنك على أي شيء، فارغ إلا من ستارة كبيرة بلون واحد ايضاً لتجعل الأمور كلها متحدة.

لكن يزعجك عدم تقييدك للأكل بنظام محدد، أن تأكل بالضبط ما تحتاجه، تخلصت من أكل اللحوم الحمراء من فترة طويلة، ويزعجك أنك لم تستطع التحول إلى نباتي.

لم تعد تستهويك المدن وزحمتها، ولا ترى في الانشغال بالعمل الكثير أمراً يستحق اهتمامك ووقتك، تفضل التركيز في اليوم الواحد على مهمة واحدة لانهاءها، تكره التشتيت، وتركه مكتب العمل المكتظ بالأوراق والملفات، سطح مكتب حاسوبك لا يتحوي سوى على سلة المهملات وربما ملف أو اثنين، مع صورة ذات مساحة لونية كبير بمنظر يثير الهدوء في النفس، تتخلص من كل البرامج التي لا تحتاجها، تحذف كل الملفات التي لا حاجة لك بها، وتخزن بقية الأشياء في قرص صلب، فأنت لست بحاجة لها طوال الوقت معك، تتابع أيضاً مواقع تشجعك على عيش الحياة البسيطة. وتكتشف بالصدفة أن الناس تعرفك من خلال أعمالك المليئة بالبساطة، تفضّل المساحات اللونية الهادئة والتركيز على التصميم نفسه بدل الزخرفة الزائدة. تكتشف معه أنك بت تفضل البقاء في بلد هادىء في مكان هاديء، وترك البلاد التي كانت تعج بالبشر والمشاغل، تجد نفسك فجأة قد تخلصت من أفكار الوطنية والانتماء، لم تعد ترى في الانتماء لقطعة أرضية على الكوكب شيئاً يستحق تضييع عمرك من أجله، هذا التفكير فجأة يصبح منبوذا كونه السائد على تلك القطعة الأرضية، ترى أن انتماءك يتوجب للمكان الذي تجد فيه راحتك وتشعر فيه بانسانيتك ومساهمتك في الحياة، تفكير شاذ لا يتفق معه أغلب البشر الذين يتوقعون أن السائد هو العكس، أن الانتماء يتوجب للمكان الذي ولدت وترعرعت فيه، لم تعد أغانيهم الوطنية تثيرك فيك شيء، الحياة الهادئة البسيطة المسالمة والآمنة أحق بأن تحياها عن أي شيئ آخر يستنفذ أفكارك وأعصابك لأسباب ليس لك أي دخل فيها!

تفضل أيضاً اختيار صداقاتك ومعارفك، تفاجئ نفسك بأنك تعرف بالضبط من تريد أن تصاحب ومن تريد أن يبقى بعيداً عنك، ليس لديك الرغبة في تعلم دروس حياة جديدة ونقاشات وجدالات، تؤمن بأن الصداقة تعني الأوقات الطيبة والجيدة والمساندة وقت الضيق والأفكار المشجعة أو المواسية. يتعبرك الآخرون متكبراً منغلقاً وانطوائياً وتعتبر نفسك متخلصاً من وجع الرأس والسائد وسوء التفاهم ومحافظاً على العلاقات بطابع ودي لا أكثر، ينتقل هذا إلى حسابك على تويتر، لم تعد تتحدث عن القضايا السياسية والاجتماعية، عندما يستفزك شيء تعطي لنفسك بعض الوقت للتحكم في غضبك، ولا تنشر اي شيء عنه، تفضل أن يبقى حسابك في إطار عملك فقط، تتفادى الرد على من يهاجمك، تؤمن بأن العراك الافتراضي لن يأتي بنتيجة، وإذا حدث ودخلت في جدال ما فإنك تحذف كل ما كتبته بعد فترة ولا تترك في حسابك سوى ما ترى أنه لن يثير اهتمام أحد سوى المهتم بالعمل معك. تؤمن أن حساباتك الشخصية مثل منزلك، مكان يتوجب أن تجد فيه راحتك، ولا مكان فيه للغضب والصراخ والعراك، ولهذا تنتقي من تتابعهم، لا تحب مثيري المشاكل، والمتحمسين لقضاياهم عن قناعة، لا تحب من يعيد مشاركة كل شيء، تلغي متابعتك لكل متكلف وكل من لا ترتاح نفسك إليه، يغضب هذا الفعل الكثيرين، لكنهم لا يستوعبون أنك صاحب القرار في النهاية وما تفعله ليس إهانة لهم، بل محاولة منك لتبقي حياتك الافتراضية بسيطة وسلهة.

التعليقات: 1 | الزيارات: | التاريخ: 2016/09/28

مؤثر في الشبكات الاجتماعية

تشهد دول الخليج طفرة في الاهتمام بالفنون البصرية، بعكس دول المغرب عموماً والجزائر خصوصا التي لا يبدو عليها الاكتراث بالفنان بأي شكل، حاليا وأقولها وأنا مغمض العينين أن دراسة الفنون ليس لها أي مستقبل في الجزائر. إذا أردت أن تبقى فنانا وتمارس الفن، فمارسه كهواية، أو سافر خارج البلاد وأرح نفسك عناء البحث عن الفرص المعدومة، أو التقدير لفنك. في الحقيقة هذا ما قمت به والآن أدفع ثمنه، لكنه يبقى رغم كل شيء ثمناً بخسا لو قارنته ببقائي في الجزائر، مشكل هذا الثمن أنك تستسلم له لأنك لا تملك خيارا آخر يقابله. في بداية تعرفي على شبكة الانترنت لأول مرة، تعرفت على التصميم الغرافيكي، الأمر الذي قادني لاحقاً لدراسة الفنون الجميلة، ثم الفنون البصرية، بدأت بالتوازي معها التدوين الذي كان ظاهرة حقيقية في الاعلام الجديد، أو اعلام المواطن، نالت مدونتي حمود استوديو شهرة لا بأس بها، ثم جاءت مدونة شعارات كمشروع تدريبي متزامن مع مشروع تخرجي، خلال تلك السنوات أظنني كونت اسمًا صغيرًا لي في مجالي، لكن الجزائر لا تهتم بالفنون على الاطلاق، والتواجد وسط الخليجيين أمر صعب جدًا؛ فالسعوديون على سبيل المثال، لديهم من القدرة على دعم أي مصمم سعودي مهما كانت درجة موهبته، وأنت لا تملك بالتأكيد حق منع شخص من دعم شخص آخر من نفس بلده!

وكوني قد قررت العمل في مجال التصميم الغرافيكي فقد أصبح تقدمي في مساري المهني يحتم علي استخدام الشبكات الاجتماعية، تسويق أعمالي، وتسجيل أفكاري وكتابة المقالات حول الأمور التي تعنيني، أو البقاء في الصورة قدر الإمكان، الشبكات الاجتماعية أو ما يصطلح عليه مهاويس اللغة العربية بـ “شبكات التواصل الاجتماعي” لا خلاف في أنها الآن تحتل قطعة مهمة في الحصول على فرص وظيفية وتسويقية أعلى في مجال الابداع وبشكل مجاني وجزئي، ولا يمكن انكار ذلك، لكنني لا أحب الشبكات الشبكات الاجتماعية، استخدمها مضطراً.

سبب ذلك جاء بحكم عملي واضطراري للاطلاع الدائم على كل ما يدور حول عالمها، ومضطر للخوض يومياً في ذلك العالم لأقوم بعملي بالشكل الصحيح، متابعة التوجهات الجديدة في تصاميم المنشورات، معرفة التعامل الصحيح مع كل محتوى يتم توفيره بناء على الاستراتجية المعتمدة للعميل ورسالته وغيرها، وباختصار أمضي جزءا مهما من يومي المهني في هذا العالم. وهو ما يعني ملاحظتي المباشرة للمستخدمين وتوجهاتهم، وملاحظتي كيف يعمل الناس في الشبكات الاجتماعية.

لذلك فمشكلتي مع الشبكات الاجتماعية ليس معها كوسيلة بقدر ما هي مشكلة مباشرة مع المستخدمين أنفسهم، وهي مشكلة بسيطة وواضحة ومباشرة وأخلاقية، وهي مع القيمة التي يضيفها المستخدمون، في أيام الدراسة كانت لدينا تلك النماذج من الطلبة دائمي الظهور والكلام عن قوة فنهم وتقنياتهم، وبعد مضي أربع سنوات بات لدينا بداخل المدرسة – بعيدا عن جو المعارض والندوات – معرفة صحيحة بمن يدعي القول حول فنه ومن يدعي عكس ذلك، أصحاب الفن والمهارات الحقيقية من لديهم القدرة على الموازنة بين ما يقولون وما يفعلون اكتسبوا مع الوقت احتراما لهم، وأصبحت أي جملة يتفوهون بها تعني أن هناك قيمة حقيقية من وراءها بعيدا عن حب الظهور والتسويق الكلامي، وخسر الآخرون احترام واهتمام الجميع.

في الواقع أنا أطبق هذا الكلام حرفيا في الشبكات الاجتماعية حين أدخل أي حساب، أعرف أن من حق أي شخص استخدام أي وسيلة لتسويق نفسه، لكنني أحتقر تلك الفئة المهولة التي لا تفعل شيئًا، والتي تتحول إلى ناسوخ كبير، ينسخ كل ما يراه على المواقع والحسابات الأخرى. حتى أني كونت قائمة بالمصممين الذين أحترم عملهم جدا وانتظر بفارغ الصبر ما سينشرونه من أعمال ومشاريع حقيقية توازن بين ما يتحدثون عنه من حين لآخر. لكن وأخشى قول هذا، أصبح هذا المجال مثل مجال التنمية البشرية الذي انتقده دوما، حيث يبيعك أغلب أفراده وهماً لاتجد نفعا له، وهي تهمة لصيقة دوما بعبارة التسويق، وهو ما يحدث على الشبكات الاجتماعية، فقط أمسك في عبارتي إبداع و تصميم وسيتصور الناس أنك ضليع في التصميم، المشكلة تتضاعف حين تبحث عن ابداع حقيقي لهذه الفئة، عن منجزات ومشاريع تدعم كل ما يقولون فلا تجد، وما تجده يبدو قليلا جدا ومتواضعا مع التصورات والوعود الكلامية التي تطالعها لهم في في حساباتهم.

هناك درس تعلمته من فترة طويلة، بالتحديد بين الأعوام 2008 و 2009، حين كنت مغتراً بشهرة مدونتي هذه، يوم وصلتني دعوة من نادي دبي للصحافة للمشاركة في منتدى الاعلام العربي، الحقيقة أنني وجدت نفسي غبياً وجاهلا بقدر كبير، فأنا ذاهب للمشاركة في كلام لست أعي نصفه حتى، في المشاركة الأولى مرت الأمور بشكل طيب، في العام الثاني بات واضحاً لدي أني ارتكبت خطئاً فادحاً بقبول المشاركة، كان يجب علي استيعاب ما سأتحدث عنه وما يتوجب علي قوله، كان ألطف كلام قيل عني وقتها “شفافية الشباب” كنوع من وصف سذاجتي وسطحيتي في التحدث عن الاعلام الجديد وعن ثورة المدونات.

الآن يبدو أن الناس تجد الأمر ممتعاً بالنسبة لها الحديث في أي شيء، والفتي في أي موضوع، وأيضاً السطو على أي مجال والتحدث باسم مجموعة كبيرة من البشر الذين بذلوا سنوات عديدة من عمرهم يدرسونه ويعملون فيه، وحتى يجدون في أنفسهم الجرأة في الحكم على من هم أقل من متابعيهم، وتطور الوضع بالنسبة لهم أن استحدثت الشركات شيئا يدعى المؤثرين، حيث تحول اكتساب أكبر عدد من المتابعين كمهنة في حد ذاتها يترتب عنها مدخول مادي مرتفع، ليس بسبب قيمة معنوية أو مادية تضيفها في حياة الناس، بل فقط لأنك تمتلك عددًا مهولاً من المتابعين، وليس مهماً المحتوى الذي تقدمه لهم، طالما أنك تسطو على أي مجال تجده في طريقك، أو على اي حدث محلي أو عالمي يحدث، هذا يبدو جلياً في صفة “الفاشينيستا” التي هي نوع من الـ Modeling في عالم الأزياء ربما الشيء الوحيد الذي قدمته هذه الفئة من مشاهير الشبكات انها ساهمت توسيع قطاع أعمال الأزياء، لكن من ناحية أخرى باتت وكأنها هي الفئة الوحيدة التي تمثل أي مشهد اعلامي أو تسويقي، وهي القناة الوحيدة التي يتم من خلالها التوصل إلى جمهور أكبر.

ثم تأتي ممارسات أخرى كركوب حدث وفاة أحد العلماء أو المشاهير الحقيقيين؛ وإدعاء معرفتهم وأعمالهم، وأيضاً أي وسم جديد يخرج إلى الساحة حتى وإن كان لعبة مثل “بوكيمون جو”، وليست حسابات الأشخاص – من يطلق عليهم المؤثرين – فقط من تفعل ذلك، بل حتى الشركات تجد في هذا النوع من الركوب أسلوباً لتسويق نفسها، لكن التسويق واستغلال الحدث لغاية تجارية يبدو واضحاً جلياً حتى أنه يشعرك بسخف الشركة وسخف من يفعل ذلك. وبدل أن تسعى الشركات لتقديم شيء حقيقي والتفكير بطرق مختلفة وصادقة للتسويق نفسها تلجأ لطرق أراها خسيسة ساذجة. وكالعادة يتماهى المستخدمون مع هذه الممارسات راضين بها دون محاسبة أخلاقية لما يقوم به هؤلاء المشاهير أو الشركات على الشبكات.

فقط، هذا كل شيء، أنا لا أحب الشبكات الاجتماعية، حقد وغيرة وتكبر وأشياء أخرى.

التعليقات: 1 | الزيارات: | التاريخ: 2016/07/12

خلل الانتماء

في بلاد يصل تعداد سكانها لـ 40 مليوناً، يرتفع سقف المنافسة جداً، وإذا كانت المنافسة من الشدة إلى أنها تسحق كل خاسر وتحطمه؛ كون المجتمع في طبيعته لا يسمح للخاسر بالحياة بشكل طبيعي بعد الخسارة، يصبح من السهل حينها أن تختل معايير المنافسة، فلا تصبح الكفاءة معيارًا بأي شكل، فحينها يلجأ الأقل حظاً لسلوك طرق أخرى للفوز في المنافسة، ويبذل كل جهده لتغيير مسار المنظومة كلها، ومع الوقت يتحول هذا السلوك إلى ثقافة كاملة تسير الأغلبية، فينعكس الوضع، حيث تتغير معادلة التنافس لتتحول من الكفاءة إلى شيء آخر، وهو ما سيضع الأكفاء على مستوى أقل عن البقية الذين يجتهدون للفوز في المنافسة بأي شكل.

تخيل أن هذا يحدث مرارًا وتكراراً في أمور أخرى ليست لها علاقة بالكفاءة، بل حتى في التجارب الحياتية العادية البسيطة جداً! أو عندما تصبح الأخلاق معياراً منقوصاً منبوذا كونها تتناقض وفكرة المنافسة السائدة، المنافسة التي باتت تنحصر في من يعيش الحياة الأفضل والأنعم بغض النظر عن كفاءته أو ما يقدمه في حياته، أو حتى كيف يفعله. ثم تبدأ تلك المنافسة في محاربة من يثبت فعلياً أنه جاد في تقديم الأفضل، لن تتساهل معه، فوجوده يعني تهديدًا للأقل كفاءة.

وهكذا حتى تتحول الحياة في تلك البلاد شيئاً فشيئًا إلى أمر لا يطاق، ومن لا يستطيع التأقلم مع الوضع فقذ ضاع حتماً، يتحول هذا الضياع إلى شيء يشبه النقمة والحقد، كره – ربما – للبلاد وشعبها، ثم يتنقل إلى مرحلة أخرى وهي التجاهل لأي شيء يعنيها، ثم يفقد الأمل تماماً فيها، تتساوى مشاعره تجاهها، مثلها مثل أي بلد آخر لا يعنيه في شيء سوى أن جواز سفره يحمل اسمها فيها، لكنه لم يعد يكترث بالأمر أيضاً، سقطت لديه فكرة الوطن والأرض والتاريخ والانتماء، لقد مر بتجارب عديدة حطمته، فتلك البقعة ليس فيها مستقبل ينتظره، ثم يبحث عن مكان آخر يوفر ولو جزءً صغيرا من طموحاته كإنسان.

عند هذه المرحلة، هل يترك له الآخرون الفرصة ليبتعد بهدوء عنهم؟ الأحداث تثبت عكس ذلك، فالمطلوب أن يبقى تحت أعينهم محطماً يرونه يتعذب، لكن إن سنحت له فرصة الابتعاد، وأبدى اهتماما بالبلاد الجديدة يتهم بالخيانة وقلة الأصل، هذا الاتهام الذي يلغي فجأة كل الأحداث التي مر بها في حياته، الخيانة التي ترتبط بشكل غريب بالمكان الذي ولد فيه والذي لم يعد يؤمن به! وهو منطق غير واضح المعالم، ماذا لو لم يرغب المرء في الانتماء له؟ ماذا عن الضرر الذي تسبب به هذا البلد للشخص؟ أيتوجب عليه تحمله ورؤية حياته تذوي أمامه بسبب فساد منظومة البلاد كلها؟ أم أن العمر من القصر بحيث يستحق أن يستثمر بشكل أفضل في أي بقعة تسمح باستثماره وتقديره؟!

التعليقات: 1 | الزيارات: | التاريخ: 2016/04/15

التجربة

هذا الكلام قد لا يفهمه من تعودوا على فكرة السفر، أما في حالتي فإنه من الخطورة أن تذهب في إجازة لوحدك بمالك الخاص الذي كنت تعمل من أجله لأعوام عدة. تقتطع منه جزءً مهمًا لتقضي اجازة في مكان جديد لوحدك، أو حتى مع عائلتك.

الخطورة هنا ليست في القيام بهذا الفعل، بل في الخروج عن المألوف في عائلتك متوسطة الحال. ففي عائلتي لا يجرؤ أحدنا على القيام بفعل كهذا لأنه تبديد صريح للمال والموارد. لم نعتد الترويح عن أنفسنا بالسفر إلى أماكن جديدة نضع لها ميزانية خاصة. أو نقتطع من راوتبنا لها، حيث الراتب محدد له مسبقًا أين سيصرف بحكم مستوانا المعيشي.

قررت السفر إلى ماليزيا على حسابي الخاص دون مشاورة أحد في ذلك. حددت للسفر راتب شهر واحد يزيد عليه قليلا. أظنني تجاوزت حدي قليلا في بعض المصاريف، إلا أنني أردت تحقيق شيئ لنفسي، انجاز معنوي لم أقم به مطلقاً. لم يقم به أي فرد في عائلتي أبدًا، تجربة السفر مثل أي فرد في العالم العادي. وليس الجزائر، في السابق كنت استغرب من بعض العائلات الميسورة الحال وهي تجوب بقدر استطاعتها أكبر عدد ممكن من الدول كل سنة. من منظور عائلتنا، كان هذا تبذيراً واسرافًا وإن كنا نحلم بتحقيقه، كنا نحسدهم في نفس الوقت.

ولذلك كنا نمضي العام تلو الآخر في منزلنا صيفاً لا نتحرك. نشاهد الجيران يسافرون ويعودون ونحن في مكاننا. نمضي أيام الصيف في المنزل نشاهد البرامج التلفزيونية، تكاليف السفر مرعبة جداً لمن هم في مثل وضعنا، فالمال محسوب ولا يمكن المجازفة به. ومع الوقت تعودنا على تلك الغصة بشأن السفر وتجربة الحياة الهانئة الهادئة التي نسميها “اجازة”.

رئيسي في العمل كان يبدو لي مخبولا وهو يخطط شهريا لرحلات اجازة قصيرة مع عائلته الصغيرة، أو مع شلته المعتادة، وهو أمر لم أتعوده أبدًا، المال والتكاليف أشياء لا أعرف كيف يتصرف معها. هو لديه منظور مختلف تماماً؛ يعمل ويكد بجهد خلال أيام العمل، ويراه ضرورياً لكي يستمتع بماله لاحقًا، وهو يفعل هذا بالتأكيد، فهو أكثر شخص شاهدته في حياتي يستمتع بلحظاته ورحلاته وإجازاته.

لا أنكر أني كنت مذعورا من فكرة السفر لإجازة، لصرف المال على رحلة أتسلى فيها وأرفه عن نفسي، كنت افتح مواقع الوجهات السياحية وعيني تذهب أولاً إلى الأسعار، قبل اتخاذ أي قرار. ما يزال هذا الهاجس يلاحقني نوعاً ما، لكنني أحاول ابقاء الأمور في نطاق يمكنني معه ضبطها.

التجرية هنا لا تتعلق بكيف استمتعت أو ماذا فعلت، التجربة بالنسبة لي تتعلق بكوني قمت بالأمر أخيرا بنفسي لوحدي بحُّر مالي، وبتخطيطي الخاص، وبحساباتي الخاصة، لم استدن، لم أتورط ماليا، لم أغلق على نفسي الباب في غرفتي خلال سفري، الصدف جعلتني أكتشف الأماكن والأشخاص بشكل رائع لم أفكر به أبدًا، كانت اختياراتي محدودة حقا، لكنها كانت مفاجئة وغير متوقعة. من تعود على السفر وخاصة من لديهم سهولة في الحصول على تأشيرات السفر- أو حتى ليسوا بحاجة لها – ربما لن يستوعبوا ما أقوله بالمرة.

لا يزال يفاجئني باولو كويلهو بصحة كلامه حول المغامرات وفائدتها، محاولة تجربة شيء جديد والفرص الجديدة التي تأتي معه.

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

تعليقات 3 | الزيارات: | التاريخ: 2016/03/31

المشكلة في السؤال

في حالة سهري الحالية أحاول جاهداً البحث عن أي موضوع أكتبه، أهتم به، عن الحماس لعملي، وللفنون البصرية بشكل عام.

لكن من بين المشاكل أن الأمر يستلزم البحث عن الالهام قدر المستطاع، لذلك لا تنفك شبكات التواصل الاجتماعي أن تعيدني إليها من جديد، لأغرق بعدها في محيط الأخبار والمنشورات والفيديوهات، المسلي منها والمحزن. لكن تبقى المنشورات التي تتحدث عن الوفيات تجرني إلى حديث متكرر يزورني في اليوم بضع مرات، فلا أكاد أتوقف يومياً عن التفكير في مصيري بعد خمس سنوات إلى عشرين سنة من الآن. هل سأكون فاقداً لموهبتي؟ هل سأكون محافظً على شغفي مستقراً نفسيا واجتماعيا ومهنياً؟ أم فاشلاً منغلقاً على نفسه محطما ينتظر اللحظة التي يموت فيها؟ هل سيأتي اليوم الذي أستجمع فيه شجاعتي لأضع حداً لحياتي؟

أنا من مواليد الثمانينات -1982- لذلك فقد عشت وتربيت على مجموعة كبيرة من الشخصيات التي شكلت تصوري عن العالم من حولي، وحددت حتى أخلاقي وتصرفاتي وقراراتي في أحيان كثيرة، هذه الشخصيات وهي تذوي وتتوفى الواحدة تلو الأخرى، بعضها يذهب في صمت وباحترام، والأخرى – هي الغالبة – تذهب بشكل مأساوي، مع ضجة كبيرة عن الحال السيء الذي رحلت به من أمراض وفقر وحاجة ومشاكل عائيلة، ولهذا لم أعد راغباً في معرفة تفاصيل وفاة ممثلي المفضل، أو مطربتي المفضلة، لم أعد أركض إلى محرك البحث لأرى أحدث صورهم قبل الوفاة بفترة، لأفاجئ بحجم التغير الذي طرأ عليهم، كان للصورة الأخيرة لفنان الرائع فؤاد المهندس التأثير الكبير على قراري بعدم رؤية صور فناني المفضلين عند وفاتهم، أعرف أناساً يتلذذون برؤية المتوفى في عامه الأخير وكيف أصبح عجوزاً تعباً، ويمطون شفاههم عن حال الدنيا المكارة، ثم يحولونه إلى وسيلة ترفيه وتسلية بالحديث عن حاله كيف كان وكيف صار!

المشكلة أن هذه الصور تعلق في ذهني، وعندما أشاهد أعمالهم تقفز صورتهم في الواجهة، ويتشوه المنظر كله، وشبكات التواصل الاجتماعي تعزز هذا الأمر بشكل مهول، ربما لهذا السبب بت أشجع من أعرفهم في حال رغبوا بوضع نعي لأحد ما، أن ينشروا صورته وهو في أفضل حالاته، صورته وهو في ذورة عطاءه وانجازته.

لكن مع الوقت أيضاً بدأت ألتفت إلى أن كل تلك الشخصيات قد بدأت تتوارى وتنتهي، ما يعني أن الأمر سيحين معي ومع جيلي وأصدقائي وعائلتي إن عاجلاً أم آجلاً، لا فرار من ذلك. وإن طرحت فكرة الموت الجانباً ونظرتي لها، بعيداً عن الدين والإيمان، فقد تجاوزت مرحلة الاعتراض عليها، كونها ستحدث في كل الأحوال، ولذلك وكل يوم يراودني السؤال الذي صار مملاً من زياراته إلي ” المشكلة ليست في: متى موتك؟ بل: كيف سيكون موتك؟”، ولا تنفك معه أن تأتي تلك الأسئلة المحيرة التي طرحتها بطلة رواية باولو كويلهو “فيرونيكا تقرر أن تموت”، فيرونيكا كانت شابة يافعة لديها كل شيء تريده، لذلك لم ترغب في الوصول إلى تلك النقطة التي تكره فيها حياتها بعدما تكبر وتشيخ، أرادت وضع حد لحياتها وهي في قمة كمالها. فلماذا يقبل الناس البقاء على قيد الحياة عند بلوغهم الـ 70 أو 80 من العمر فاقدين لقدرات عدة، مع قائمة محترمة من الأمراض والعلل التي يستحيل علاجها بأي حال. ما الذي ينتظره هؤلاء الناس من سعيهم للعلاج وتحمل الألم، والمشاكل النفسية والاجتماعية الناجمة عن تقدمهم في السن؟ الأمل؟ هل يقف وراءه الإيمان والدين؟ أم أننا ببلوغنا تلك السن نكون قد استوعباً أشياء أكثر وتقبلنا حقائق أخرى لن نفهمها الآن؟.

هل أطرح هذه التساؤلات كوني أعاني من “أزمة اقتراب أزمة منتصف العمر”؟ لحظة أنا بالكاد في الرابعة والثلاثين من عمري! هل لدى علماء النفس احصائيات بنوعية الأسئلة التي يطرحها الناس بحسب أعمارهم؟ لم أجد أي إجابة طبعاً.

صديق هندوسي متدين تعرفت عليه منذ سنة، عارضني بشدة يوم زل لساني وذكرت أمامه تفكيري اليومي المتواصل بشأن وضع حد لحياتي – الانتحار طبعاً – كوني لن أصمد أمام أي تغيير سيء قد يطرأ على حياتي الخاصة بعد فترة عصيبة جداً مررت بها بين عامي 2011 -2012 كان خلالها بيني وبين الانتحار قرار دقائق قليلة فقط، وكانت سبباً في أن أتخلى عن نظرتي للجزائر كبلد أعيش فيه، فلم أعد مؤمناً بفكرة الوطنية والشعور بالانتماء لمكان فقط لأنني ولدت فيه، العيش على تلك البقعة من الأرض هو الجحيم بعينه، مع الأسف هو قدر لا يمكنني التخلص منه، لكني سأبذل جهدي لأضع حداً له.

يرى الصديق الهندي أن حياتي يمكنها أن تصبح ذات معنى لو سخرتها لخدمة الآخرين، هو مقتنع أن حياتنا ليست لنا، بل هي ملك للآخرين، وسواء ساءت أو تحسنت فهذا لا يهم طالما أننا نسعى لإسعاد الآخرين فإننا بشكل ما سنحقق السعادة لأنفسنا مهما كانت الظروف التي نمر بها، هذا مقصد جميل ونبيل جعلني أتطفل على تلك الديانة قليلاً وأحترم الكثير من تعاليمها، وأسخر من أساطيرها وخرافاتها. لكن هذا المقترح لا يلبي شيئاً مما أقصده وأتحدث عنه، هل سيضمن السعي لاسعاد الآخرين أن لا يتحول حالي لحال شخصياتي المفضلة؟ النهاية السيئة التي لا أحبها؟ الحال التعب المنهك، أن لا تقوى على فعل ما تحب؟ عمل ما تحب؟ ممارسة أي شيء تحبه في حياتك؟ طالما الخلود ليس له مكان بيننا؟!. فأنا مهووس بالتصميم والفنون البصرية بشكل جنوني، وتقريباً لا يمضي يوم دون أن أتعلم شيئاً جديدًا أو أنفذ تصميمًا ما، باختصار أنا أحب عملي وأقدر جيداً الموهبة التي لدي، ولهذا يصر أصدقاء آخرون أن سبب تفكيري المتواصل بهذا الشأن هو لأني لم أتزوج بعد، وأن الزواج وانجاب الأطفال سيساعدني على إدراك حقائق وأمور أخرى وتقبل مواصلة الحياة بكل أشكالها ونهايتها، الغريب أن تساؤلاتي هذه هي سبب رئيس في امتناعي عن الزواج، أو على الأقل تأجيله – بالاضافة إلى أسباب أخرى لا مجال لذكرها هنا -، فلست مستعداً للارتباط لأخدع نفسي بمواصلة الحياة. لا أفهم إن كان هذا جبنًا أن يهرب المرء ويتوقف عن طرح السؤال عن توقيت وكيفية موته، وغاية حياته، أم أن الكون من الغرابة بأن الناس من الحكمة بأن يكوّنوا أسرة تشغلهم عن السؤال الذي يحيرهم.

ماذا؟ إنها تقارب الثانية صباحاً!!

ليلتكم طيبة.

التعليقات: 1 | الزيارات: | التاريخ: 2016/02/13

كيف توقفت عن العمل الحر؟

من دفتر مذكراتي الخاصة على خدمة Keep من جوجل:

لا تزال تصلني رسائل من أشخاص رائعين للعمل كمصمم حر معهم، وهذا أمر طبيعي كوني لا أزال أنشر أعمالي التي أقوم بها لنفسي – كتسلية وتدريب – على موقعي ومدونتي الخاصة أو على حساباتي على الشبكات الاجتماعية، فمن يراسلني يرغب في تصميم شعار أو هوية بصرية وأحياناً يقترح تعاوناً بيننا في مشروع معين، بعضهم يتفاجئ حين أخبره أني متوقف عن العمل الحر من فترة طويلة، ويعتبر الأمر غريباً جداً. مرت قرابة الثلاثة أعوام من التوقف عن العمل الحر، مع بعض الاستثناءات الخاصة جداً، والتي هي أيضاً انتهت مثل سابقاتها، نهاية مريعة غير مسلية بالمرة.

خلال محاولاتي العمل بشكل حر منذ 2006 أو 2007 – وهي سنة تخرجي – لم أستطع النجاح إلا في عدد قليل جداً من المشاريع، فلست أمتلك موهبة التفاوض أولاً، ولا التسعير، ولا التعامل بشكل حازم مع التصميم كمهنة وعمل، وإلى اليوم لو لم تتوفر لدي هذه الوظيفة التي أعمل بها حالياً لتضورت جوعاً، ففي الوظيفة أنا ملزم رغماً عني بالاحتفاظ بجودة العمل وبمواعيد الانجاز والتسليم.

لا أحب التعامل مع العمل بجدية، الجدية تقتلني ولا تترك لي مجال للتفكير بالتصميم أو الابداع، كما أن عملي كمصمم غرافيك يخضع لمزاجي في غالب الأوقات، لو كان بي مزاج للعمل فقد أتفرغ للمشروع اليوم كله، وإن لم يوجد المزاج أو لم يرقني العميل، أو استسخفت فكرة المشروع فسيؤجل كل شيء لآخر ساعة قبل موعد التسليم.

العميل الأول اشتكى، والثاني أيضا، ثم الثالث، وبعدها بدأت تصلني محادثات من أصدقاء يخبرونني عن سمعتي السيئة في العمل، لكنهم يصرون أن المشكلة ليست في جودة ما أقدمه، بل بالطريقة التي أعمل بها، فرسالة البريد التي يتوجب الرد سريعا عليها تنتظر لأسبوع أو أكثر، مكالمات الهاتف التي علي استقبالها اتقاعس عن التعامل معها في حينها، فأتجاهلها، كوني أخشى التورط في وعود جديدة لا يمكن أن أفي بها. حاولت جاهدًا استخدام برامج تساعدني في ضبط العمل وفشلت، تابعت فيديوهات عدة عن العمل الحر والمستقل وكيف أنظم أموري وكيف أسعر خدماتي وكيف أتفاوض مع العملاء، وكيف أدير كل مرحلة، وفشلت أيضًا. وهو الشيء الذي لا أجد له أي تفسير؟!

قبل ثلاثة أعوام أدركت أن عملي كمصمم حر لا مستقبل له، وصلت هذه القناعة لذروتها قبل عدة أشهر حين عملت بشكل خاص على مشروع لمقهى بنفس مستوى مقاهي ستاربكس وكوستا، لم تكن لدي مشكلة في البحث ووضع التوجهات الابداعية وحتى الشعار النهائي والنظام البصري للهوية الذي أعجب به العميل جداً، كانت مشكلتي في التفاصيل وتعديل بعض الثيمات وتسليم الملفات النهائية، وهو ما لم أقدر على القيام به لحد الساعة، مع أن العميل دفع المبلغ مقدمًا، لقد استسلمت وقتها، أنا سيء في العمل الحر، وإن أكملت بهذا الشكل فستكرهني القلة الباقية التي تحترم عملي، فيكفي أن تهمة “التكبر” تلاحقني أينما حللت.

لذلك خلصت إلى أن أكتفي حالياً بهذا الوضع، ولا مجال للعمل الحر بأي شكل.

التعليقات: 1 | الزيارات: | التاريخ: 2016/02/09

عزيز

وصلتني رسالتك وأنا أتهيأ لمغادرة أمستردام إلى ملاوي. فقد كلفت بالتقاط صور لأناس في قرية ينتشر فيها الإيدز ويوجد فيها عدد كبير من اليتامى.

الآن، إذا سار كل شيء على ما يرام، فإني سأعود بعد أربعة أيام. هل يمككني أن آمل ذلك؟ نعم. هل يمككني أن أتحكم بذلك؟ لا! فكل ما يمكنني عمله هو أن آخذ معي حاسوبي النقال، وأحاول إيجاد وصلة جيدة بالانترنت، وآمل أن أعيش يوما آخر، أما ما تبقى فليس في يدي. وهذا ما يطلق عليه الصوفيون العنصر الخامس – الفراغ. العنصر الالهي الذي لا يمكن تفسيره، والذي لا يمكن التحكم به، والذي لا نستطيع نحن البشر أن نفهمه، ومع ذلك يجب أن ندركه طوال الوقت. فأنا لا أؤمن “بالتقاعس” إن كنت تقصدين ذلك لأنك لا تفعلين شيئاً على الإطلاق، ولا تبدين اهتماماً عميقاً بالحياة. لكني أؤمن باحترام العنصر الخامس.

أظن أن كل واحد منا يقيم عهداً مع الله. أعرف أنني فعلت ذلك. فعندما أصبحت صوفيًا، وعدت الله أن أفعل ما يجب أن أفعله بحسب مقدرتي، وأن أترك الباقي له، وله وحده فقط. وقد قبلت الحقيقة بأن هناك أشياء تتجاوز حدودي ومقدرتي. فلا يمكنني أن أرى إلا بعض الأجزاء، مثل قطع عائمة في فيلم سينمائي، أما المخطط الأكبر فهو يتجاوز إدراكي.

الآن، تظنين أنني رجل متدين. لا، لست كذلك.

بل أنا رجل روحاني، وهو شيء مختلف. فالتدين والروحانية ليسا الشيء نفسه، وأظن أن الفجوة بين هذين الشيئين لم تكن أعمق مما هي عليه اليوم. فعندما أنظر إلى العالم، أرى ورطة تزداد عمقًا. فمن ناحية، نحن نؤمن بحرية الفرد وقوته بغض النظر عن الله، أو الحكومة، أو المجتمع. ومن نواح عدة، بدأ البشر يزدادون أنانية، وبدأ العالم يصبح أكثر مادية. ومن الناحية الأخرى، بدأت الإنسانية ككل تصبح أكثر روحانية. فبعد الاعتماد على العقل منذ فترة طويلة، يبدو أننا وصلنا إلى نقطة يجب أن نقر فيها بحدود العقل.

واليوم، كما كان الحال في العصور الوسطى، هناك انفجار في الاهتمام بالروحانيات. وبدأ عدد أكبر من الناس في الغرب يحاولون التقرب من الروحانيات في غمرة حياتهم المنهمكة بالعمل. لكن بالرغم من نياتهم الطيبة، فإن أساليبهم غير كافية في معظم الأحيان. فالروحانيات ليست توابل أخرى لذات الطبق القديم. إنها ليست شيئاً يمكننا إضافته إلى حياتنا دون أن ندخل تغييرات رئيسية عليها.

أعرف أنك تحبين الطهو. هل تعلمين أن شمس التبريزي قال إن العالم قِدر ضخم يطهى فيه شيء ضخم؟ لكننا لا نعرف ما هو حتى الآن. فكل ما نفعله، أو نلمسه، أو نفكر فيه، هو أحد مكونات ذلك الخليط. يجب أن نسأل أنفسنا ماذا نضيف إلى القِدر. فهل نضيف استياء، أو عداوات، أو غضبًا، أو عنفًا؟ أم نضيف حباً وانسجاماً؟

ماذا عنكِ أنت، عزيزيتي إيلا. ماهي المكونات التي تظنين أنك تضيفينها إلى حساء البشرية المشترك؟ عندما أفكر فيك، فإن المكون الذي أضيفه هو ابتسامة عريضة.

مع كل الحب،

عزيز

—-
من رواية “قواعد العشق الأربعون” لإليف شافاق.

التعليقات: 0 | الزيارات: | التاريخ: 2016/01/24

أنا مش ألماني

لو كنت تابعت البرنامج المزيف للحقائق “خواطر” لأحمد الشقيري فحتماً ستصاب بالجلطة الدماغية عند اكتشافك أن الياكوزا – المافيا اليابانية – هي جزء لا يتجزأ من الحياة اليابانية اليومية، وتأثيرها عميق في الحياة العادية لليابانيين، ما يجعل كل المعلومات الواردة عن تصرفات اليابانيين مثارًا للشك أولاً، ناهيك عن إلغاء الصورة المشرقة البراقة المزيفة التي رسمها البرنامج حولها. ولأسباب قريبة من هذا النوع من الصور الذهنية المسبقة والغبية التي نأخذها عن الشعوب والأشخاص، لم أعد أرى في نماذج الشعوب شيئاً يستحق الاقتداء لو لم أؤمن بالفكرة شخصياً، مثلاً طالعت قبل أيام مقالاً على ساسة بوست يتحدث عن الانتاجية العالية لدى الألمانيين والمرتبطة بالتزامهم وانضباطهم بالعمل فقط في وقت العمل ولا مجال للحياة الاجتماعية فيها سواء المباشرة أو الحياة الافتراضية من خلال الشبكات الاجتماعية كالفيسبوك والتويتر وغيرها.

متيقن أنني من نوعية البشر التي تستمتع بالمرح والحديث أثناء العمل، أنا لا أطيق العمل وسط بيئة مليئة بما يسمونه الانضباط، وهو تعبير مهذب لعملية “الخرفنة” – من خروف – والاستعباد الذي تتعرض له كموظف أو كعامل، فتصبح في النهائية رقمًا في عدد المواشي التي تمتلكها مؤسستك، التي تتعامل مع الأمور بمنطق إحصائي يستلزم الزيادة كل عام، أي أنك إن لم تضف لها أرقاماً جديدة كل عام، فهذا يعني أن موعد التضحية بك قريب، ولكي تدفعك هي لذلك، كل ما عليك فعله أن تحقق شروطاً مهمة كالتي يقوم بها الألمانيون أثناء العمل، لحظة.. وبحسب ما يقال اليابانيون أيضاً.

معلومة، حاولت جاهدًا القيام بهذا لأتحول لحمار عمل مجتهد، لكني وطوال تلك الفترة التجريبية كنت أنهار تماماً بعد أول ساعتين، ولا أستطيع الالتزام، ربما هذا راجع لطبيعة عملي كمصمم غرافيك، أما حالياً فأرتاح أكثر لفكرة الاختلاف الجيني والطبيعة الجغرافية والثقافية التي تتميز بها الشعوب، وما يتماشى مع الطبيعة الألمانية لا يتماشى بالضرورة مع طبيعتي العربية الأمازيغية التي ترفض الانضباط كالآلة، لو صادف وراقبت الهنود مثلاً فستجد أن أغلبهم لا يجدون مشكلة في القيام بنفس العمل لساعات طويلة وبدون أي تغيير يذكر لسنوات طويلة، بنفس الروتين اليومي بحذافيره، وهو ما لم أقدر عليه كذلك.

ثم من قال أني أود العيش تلك الطريقة؟ ولماذا يفترض بشعوب العالم الكد بشكل يومي منضبط، أو الأصح لماذا يفترض بشعوب العالم أن تتخذ نموذجًا معيناً تلتزم به لأنه بحسبها الصحيح، بغض النظر عن نجاحه من عدمه. أنا كائن اجتماعي في بيئة العمل، أتخلى عن الرواتب والعروض المغرية بمبالغ محترمة جدًا، وأهرب إلى الرواتب المعقولة التي تتوفر فيها بيئة عمل اجتماعية مرحة وظريفة وتسمح بمزيد من الذكريات الرائعة حيث يذوب فيها الفرق بين حياة العمل والحياة العادية مع الأصدقاء.

هذا أتذكره جيداً يوم كنت أشعر بالذنب وألوم نفسي مع أحد المؤسسات التي لم تر في – كما يبدو لي – فرداً منضبطاً يلائم طموحاتها، لكني الآن لا ألوم نفسي مطلقاً، لأني مش ألماني، ولا حتى ياباني.

تعليقان 2 | الزيارات: | التاريخ: 2015/11/09

الموضة

الموضة. ما الذي يفكر فيه الناس؟ أيعتقدون أن الموضة أمر يتغير بحسب فصول السنة؟ هل جاؤوا حقا من أصقاع الدنيا للتباهي بملابسهم، وجواهرهم، ومجموعات أحذيتهم؟ إنهم لا يفهمون. الموضة ليست إلا طريقة في القول: أنا أنتمي إلى عالمكم. أنا أرتدي بزة جيشكم ذاتها، فلا تطلقوا علىّ النار.

منذ البداية، ومذ أن أضحت مجموعات من الرجال والنساء تعيش معًا في الكهوف، والموضة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع، حتى الغرباء كليًا. نحن نلبس بالطريقة ذاتها. أنا أنتمي إلى قبيلتك، لنتألب ونتواطأ معًا على الضعفاء كأسلوب للبقاء.

إلا أن بعض الناس اعتقدوا أن الموضة هي كل شيء، وراحوا يبددون، كل ستة أشهر، ثروة على تغيير بعض التفاصيل الدقيقة من أجل الحفاظ على عضويتهم في قبيلة الأثرياء الحصرية جداً.

ولو أنهم زاروا وادي السيليكون، حيث يضع أثرياء صناعة المعلومات في معاصمهم ساعات بلاستيكية ويرتدون جينزات رثّة، لأدركوا أن العالم قد تغير. يبدو أن الجميع ينتمون الآن إلى الطبقة الاجتماعية ذاتها. لم يعد أحد يهتم بحجم ماسة ما، أو بماركة ربطة العنق، أو حقيبة اليد الجلدية. زالت في الواقع ربطات العنق وحقائب اليد الجلدية من ذلك الجزء من العالم. لكن، على مقربة منه، تقوم هوليوود وهي الآلة أكثر قوة نسبيا – ولو أنها في انحطاط – لا يزال في وسعها إقناع البسطاء بأثواب الخياطة الراقية، وعقود الزمرد، وسيارات الليموزين المترامية الحجم. وبما أن هذا لا يزال يظهر في المجلات، فمن الذي سيجرؤ على تدمير صناعة تدر مليارات الدولارات، ومحورها الاعلانات، وبيع الحاجات التي لا فائدة منها، واختراع اتجاهات جديدة غير ضرورية بتاتاً، وابتكار مساحيق للوجه متطابقة، لكنها تحمل كلها ماركات مختلفة؟

يا للسخف! لم يتمكن إيغور من إخفاء نفوره من أولئك الذين تؤثر قراراتهم في حيوات الملايين من الرجال والنساء الصادقين الذي يكدون ويعيشون حياة كريمة، وتسعدهم المحافظة على صحتهم ومنازلهم ومحبة عائلاتهم.

من رواية الرابح يبقى وحيدًا، لباولو كويلو.

التعليقات: 0 | الزيارات: | التاريخ: 2015/09/18

العرب كائنات منخفضة الذكاء

إن إفريقيا قارة تعسة.. منحت الفرصة لتنهض لكنها دمرتها بيدها بسبب الحروب القبلية، ثم جاء دور العالم العربي الذي منح عدة فرص ليتقدم.. كان بوسعه أن يتخلص من سيطرة الغرب وأن ينعم بثرواته، لكن العرب أثبتوا أنهم كائنات منخفضة الذكاء فضلت أن تتقاتل حتى الفناء.. تذكر الأسطورة الصينية عن أسدين يلتهمان بعضمها حتى الذيلين.. هذا ما حدث بالضبط.

بالاضافة لهذا كانوا مصابين بدرجة غير مسبوقة من التعالي والغرور، باعتبارهم الجنس الأرقى والأقوى على ظهر الكوكب… قد يبدو هذا غريبًا لكن العرب مثلاً كانوا يتعاملون مع السود والصفر بتعال حقيقي، فلا يخفى عليك أنهم عنصريون جدًا في الواقع.

في حقبة معينة امتلأت هذه الأراضي بمقاتلين ملثمين يلبسون الصنادل ويحملون الكلاشنكوف ويطلقون الرصاص طيلة اليوم.

لسبب ما بدت هذه طريقة أمتع للحياة. لكم يكن أحدهم على استعداد للبناء أو العمل في التعليم أو التعلم أو شق القنوات أو زرع الأرض، فقط كانت متعتهم الوحيدة إطلاق الهاون والكلاشنكوف وتلغيم الطرقات.. وفي كل يوم تسقط مدينة في يد الفريق الأول، ثم تسقط في يد الفريق الثاني بعد أيام.. صراع عبثي لا ينتهي..

كلهم اعتبر قتل أخيه مهمة ذات أولوية عن قتل العدو.. ويتصور أنه سيصل لوضع التجانس النهائي الذي يتحرك بعده، وهو وضع مستحيل لأن التجانس للسوائل فقط..

عندما انتهت هذه الحروب، لم تنته لأن أحد الطرفين انتصر. انتهت لأنه لم يعد هناك سلاح ولا مبان تُدمر ولا رجال أصحاء يقدرون على القتال. لم تعد هناك أشجار تُحرق ولا آبار تُسمم ولا أزهار تُقطف ولا أطفال يذبحون. عندما يتحول كل شيء إلى رماد تنتهي حياة النيران.

عن رواية “مثل إيكاروس” لأحمد خالد توفيق

التعليقات: 0 | الزيارات: | التاريخ: 2015/07/15

يومًا ما في مكان ما

يومًا ما في مكان ما لن يكون هناك ما ينغص عليك عيشك وحياتك، أو أيًا يكن.. لن تكون بحاجة لأن تشغل عقلك بحسابات كثيرة لحياتك التعيسة، لن تسأل لم أنت هنا، وإلى أين ستذهب، لن يشغلك سؤال الأديان والخالق والروح والهدف، أو سؤال التطور ومن أين بدأ ولماذا وإلى أين سينتهي، لن يشغلك سؤال كيف سيكون مستقبلك؟ وما تريد له أن يكون، وكل قلقك المتواصل حول انهياره.

يومًا ما في مكان ما، ستشعر بالراحة وتتخلص من شعورك الحانق من تواجدك هنا واضطرارك للتعامل مع عشرات المتطلبات والأسئلة والالتزامات دون أن يطلب رأيك إن كنت تود فعل ذلك، في مكان ما ستغمض عينيك ولا تفكر في شيء سوى في الراحة، راحة كنت تنتظرها من زمن بعيد، ربما من قبل حتى مجيئك إلى هنا، راحة تشبه تلك التي رأيتها في أمواج صافية على شاطىء مهجور، أو شعورك الدافئ البارد فجراً أمام نافذة منزلكم مع كوب من الحليب الساخن تراقب الأمطار الهادئة، ورائحة القهوة تملأ المطبخ.

تلك الراحة عندما تفتح عينيك متلحفاً بغطاء وثير ثقيل في جو بارد في يوم جمعة قارص، وأنت تعلم أن لا التزامات عليك، فقط الفراش الدافئ والتناقض بين الدفئ والبرد حيث يمكنك قضاء اليوم بطوله هناك دون أن تمل لحظة واحدة، أو تسمح لعقل بالتفكير بأي شيء.

يومًا ما في مكان ما ستبتسم لأن الأمر انتهى، لأن كل حكايتك قد وصلت إلى نهايتها ولم تعد تحتمل المزيد، ستتركها تمضي وستتقبل الأمر كما هو راضيًا به أياً كانت تفاصيل حكايتك لأنك لم تعد مضطرا لتحملها كإرث لك، يومًا ما في مكان ما، ستستمتع بكل ثانية مثلما تستمتع بالمشي حافي القدمين في حديقة بيت جدك، أو عندك تسلقك خلسة شجر التين والليمون، فقط تستمتع بالثواني والأحداث وتسجلها الواحدة تلو الأخرى في ذاكرتك، رائحة زهور الربيع البارد نسبياً، ورائحة الخشب العتيق الصادرة من محل عتاد قديم، ستمر عليها كلها وكأنك تراها للتو.

يومًا ما في مكان ما.

التعليقات: 0 | الزيارات: | التاريخ: 2015/05/31

لا أحد يتحكم بأي شي

” … سبق أن ارتكبت غلطة وأنا في سن الحادية عشر وجاء صبي يطلب مني إعارته قلماً، فهمت أنه أحيانًا لا توجد فرصة ثانية، وأن من الأفضل قبول الهدايا التي يقدمها العالم لك. هذه مخاطرة طبعًا، لكن هل هي أخطر من حادث الأوتوكار الذي استغرق ثمان وأربعين ساعة لكي يوصلني إلى هنا؟ إذا كان لا بد لي أن أكون مخلصة لأحد ما أو لشيء ما، علي أولًا أن أكون مخلصة لنفسي. إذا كنت أبحث عن الحب الحقيقي عليّ أولًا الانتهاء من علاقات الحب الأقل من عادية التي صادفتها. والخبرة القليلة التي لدي علمتني ألا أحد يتحكم بأي شي، وأن كل شيء وهم – وهذا ينسحب على كل شيء بدءًا من الممتلكات المادية حتى الممتلكات الروحية. من يفقد شيئًا كان يظنه مضمونًا (ماحدث لي مرارًا) يتعلم في النهاية بأنه لا يملك شيئًا … “

من يوميات ماريا يوم تعرفت على السويسري
رواية احدى عشرة دقيقة – باولو كويلو.

التعليقات: 0 | الزيارات: | التاريخ: 2015/05/20

انقراض البشر

منذ أيام شاهدت جزءً من برنامج وثائقي على قناة ناشيونال جيوغرافيك يتحدث عن الصيد غير المشروع للحيتان الكبيرة المهددة بالانقراض أصلاً، الحيتان التي تصطاد في آيسلندا، وتصدر إلى اليابان، تلك البلاد التي لديها تاريخ أسود في احترام البيئة والتصرف بعقلانية تجاه الثروة السمكية، والحيتان والدلافين على وجه الخصوص، هذا إن اعتبرنا أن اصطياد وقتل الحيتان ليس سوى جزءً ضئيلاً جداً مما يرتكبه البشر تجاه الطبيعة والحياة عليها، وجزء معتبر آخر هو الجرائم التي يقوم بها البشر تجاه بعضهم البعض.

هذا الصباح طالعت بشكل سريع خبراً أو مقالاً على موقع الواشنطن بوست يتحدث عن أن صناعة الشوكولاته تمر بأزمة حقيقية نتيجة للتغير في المناخ والاحتباس الحراري، وأنك قد لا تحضى مستقبلاً بتجربة طعم الشوكولاتة مجدداً، دعك من أن الذرة والقهوة والمأكولات البحرية وحتى الفول صارت من بين الأطعمة او الأغذية المرشحة بشكل كبير بالتناقص والاختفاء إن واصل التغير المناخي على هذا النحو من التدهور. كما أن عدد سكان الأرض ازداد بشكل مهول، أكثر من سبعة بلايين نسمة، وازدادت معها متطلباتهم الغذائية بشكل أكبر، مع تناقص الموارد الغذائية في المقابل.

لكننا كبشر، نثبت أننا على الرغم من ذكاءنا وتميزنا عن بقية الكائنات، نتصف بالحماقة والعناد، فلا التجارب التاريخية المتكررة ولا الأدلة العلمية وكل التنبؤات التي تشير إلى خطورة ما نحن مقدمون عليه كجنس بشري، تقنعنا بضرورة التفكير في مصلحتنا جميعاً، وليس فئة دون الأخرى، نحن نكاد نكتفي بفكرة الوطن، تلك الحدود الوهمية التي رسمتها السياسة، ونظن بغباء أنها ستحمينا مما سيصيب الآخرين، وهي فكرة خاطئة، فنحن بالأساس لم نستطع التوافق كمواطنين والنظر إلى الوطن على أنه مشاركة بيننا جميعاً بكل اختلافاتنا الفكرية والدينية والعرقية، ما يحدث في سوريا والعراق يدل أن البشر من الغباء ليستمروا في تفجير وقتل بعضهم البعض لسنوات وعقود، وإلى صناعة المزيد من الأسلحة وتمويل كل الجهات بها. وماتزال الحكومات تنظر إلى نفسها مستقلة عن بعضها، فكل حكومة تفكر في نفسها ومصلحة بقاءها، أكثر من تفكيرها في مصلحة شعبها، وليس حتى التفكير في مصلحة هذا الكوكب الصغير البديع والتافه في نفس الوقت.

حقاً البشر جنس متفرد، شديد الذكاء، لكن هل سينقذه ذكاءه من عناده وحمقه؟ هل سيرشده ذكاءه يوماً ما إلى أن يضع فكرة أن الانسان ليس مركز الكون، وعليه أن يتصرف على أساس أن مشاركة الحياة مع البقية ضرورة أكيدة لبقاءه على قيد الحياة ولاستمراره؟

لقد بلغ بي اليأس درجة شديدة فينا نحن البشر، كل ما تطالعه يومياً من أخبار ومن تنبؤات علمية، يدل أن مصيرنا الانقراض، انقراضنا نحن البشر أمر حتمي في ظل هذه الحالة من السعار البشري، من الصراعات السياسية التي تفني الملايين سنوياً لأسباب دينية أو اقتصادية، من الجشع البشري في استنزاف الأرض وكائناتها، في تفاهتنا أمام هذا الكون الشاسع.

التعليقات: 1 | الزيارات: | التاريخ: 2014/11/19