مؤثر في الشبكات الاجتماعية

تشهد دول الخليج طفرة في الاهتمام بالفنون البصرية، بعكس دول المغرب عموماً والجزائر خصوصا التي لا يبدو عليها الاكتراث بالفنان بأي شكل، حاليا وأقولها وأنا مغمض العينين أن دراسة الفنون ليس لها أي مستقبل في الجزائر. إذا أردت أن تبقى فنانا وتمارس الفن، فمارسه كهواية، أو سافر خارج البلاد وأرح نفسك عناء البحث عن الفرص المعدومة، أو التقدير لفنك. في الحقيقة هذا ما قمت به والآن أدفع ثمنه، لكنه يبقى رغم كل شيء ثمناً بخسا لو قارنته ببقائي في الجزائر، مشكل هذا الثمن أنك تستسلم له لأنك لا تملك خيارا آخر يقابله. في بداية تعرفي على شبكة الانترنت لأول مرة، تعرفت على التصميم الغرافيكي، الأمر الذي قادني لاحقاً لدراسة الفنون الجميلة، ثم الفنون البصرية، بدأت بالتوازي معها التدوين الذي كان ظاهرة حقيقية في الاعلام الجديد، أو اعلام المواطن، نالت مدونتي حمود استوديو شهرة لا بأس بها، ثم جاءت مدونة شعارات كمشروع تدريبي متزامن مع مشروع تخرجي، خلال تلك السنوات أظنني كونت اسمًا صغيرًا لي في مجالي، لكن الجزائر لا تهتم بالفنون على الاطلاق، والتواجد وسط الخليجيين أمر صعب جدًا؛ فالسعوديون على سبيل المثال، لديهم من القدرة على دعم أي مصمم سعودي مهما كانت درجة موهبته، وأنت لا تملك بالتأكيد حق منع شخص من دعم شخص آخر من نفس بلده!

وكوني قد قررت العمل في مجال التصميم الغرافيكي فقد أصبح تقدمي في مساري المهني يحتم علي استخدام الشبكات الاجتماعية، تسويق أعمالي، وتسجيل أفكاري وكتابة المقالات حول الأمور التي تعنيني، أو البقاء في الصورة قدر الإمكان، الشبكات الاجتماعية أو ما يصطلح عليه مهاويس اللغة العربية بـ “شبكات التواصل الاجتماعي” لا خلاف في أنها الآن تحتل قطعة مهمة في الحصول على فرص وظيفية وتسويقية أعلى في مجال الابداع وبشكل مجاني وجزئي، ولا يمكن انكار ذلك، لكنني لا أحب الشبكات الشبكات الاجتماعية، استخدمها مضطراً.

سبب ذلك جاء بحكم عملي واضطراري للاطلاع الدائم على كل ما يدور حول عالمها، ومضطر للخوض يومياً في ذلك العالم لأقوم بعملي بالشكل الصحيح، متابعة التوجهات الجديدة في تصاميم المنشورات، معرفة التعامل الصحيح مع كل محتوى يتم توفيره بناء على الاستراتجية المعتمدة للعميل ورسالته وغيرها، وباختصار أمضي جزءا مهما من يومي المهني في هذا العالم. وهو ما يعني ملاحظتي المباشرة للمستخدمين وتوجهاتهم، وملاحظتي كيف يعمل الناس في الشبكات الاجتماعية.

لذلك فمشكلتي مع الشبكات الاجتماعية ليس معها كوسيلة بقدر ما هي مشكلة مباشرة مع المستخدمين أنفسهم، وهي مشكلة بسيطة وواضحة ومباشرة وأخلاقية، وهي مع القيمة التي يضيفها المستخدمون، في أيام الدراسة كانت لدينا تلك النماذج من الطلبة دائمي الظهور والكلام عن قوة فنهم وتقنياتهم، وبعد مضي أربع سنوات بات لدينا بداخل المدرسة – بعيدا عن جو المعارض والندوات – معرفة صحيحة بمن يدعي القول حول فنه ومن يدعي عكس ذلك، أصحاب الفن والمهارات الحقيقية من لديهم القدرة على الموازنة بين ما يقولون وما يفعلون اكتسبوا مع الوقت احتراما لهم، وأصبحت أي جملة يتفوهون بها تعني أن هناك قيمة حقيقية من وراءها بعيدا عن حب الظهور والتسويق الكلامي، وخسر الآخرون احترام واهتمام الجميع.

في الواقع أنا أطبق هذا الكلام حرفيا في الشبكات الاجتماعية حين أدخل أي حساب، أعرف أن من حق أي شخص استخدام أي وسيلة لتسويق نفسه، لكنني أحتقر تلك الفئة المهولة التي لا تفعل شيئًا، والتي تتحول إلى ناسوخ كبير، ينسخ كل ما يراه على المواقع والحسابات الأخرى. حتى أني كونت قائمة بالمصممين الذين أحترم عملهم جدا وانتظر بفارغ الصبر ما سينشرونه من أعمال ومشاريع حقيقية توازن بين ما يتحدثون عنه من حين لآخر. لكن وأخشى قول هذا، أصبح هذا المجال مثل مجال التنمية البشرية الذي انتقده دوما، حيث يبيعك أغلب أفراده وهماً لاتجد نفعا له، وهي تهمة لصيقة دوما بعبارة التسويق، وهو ما يحدث على الشبكات الاجتماعية، فقط أمسك في عبارتي إبداع و تصميم وسيتصور الناس أنك ضليع في التصميم، المشكلة تتضاعف حين تبحث عن ابداع حقيقي لهذه الفئة، عن منجزات ومشاريع تدعم كل ما يقولون فلا تجد، وما تجده يبدو قليلا جدا ومتواضعا مع التصورات والوعود الكلامية التي تطالعها لهم في في حساباتهم.

هناك درس تعلمته من فترة طويلة، بالتحديد بين الأعوام 2008 و 2009، حين كنت مغتراً بشهرة مدونتي هذه، يوم وصلتني دعوة من نادي دبي للصحافة للمشاركة في منتدى الاعلام العربي، الحقيقة أنني وجدت نفسي غبياً وجاهلا بقدر كبير، فأنا ذاهب للمشاركة في كلام لست أعي نصفه حتى، في المشاركة الأولى مرت الأمور بشكل طيب، في العام الثاني بات واضحاً لدي أني ارتكبت خطئاً فادحاً بقبول المشاركة، كان يجب علي استيعاب ما سأتحدث عنه وما يتوجب علي قوله، كان ألطف كلام قيل عني وقتها “شفافية الشباب” كنوع من وصف سذاجتي وسطحيتي في التحدث عن الاعلام الجديد وعن ثورة المدونات.

الآن يبدو أن الناس تجد الأمر ممتعاً بالنسبة لها الحديث في أي شيء، والفتي في أي موضوع، وأيضاً السطو على أي مجال والتحدث باسم مجموعة كبيرة من البشر الذين بذلوا سنوات عديدة من عمرهم يدرسونه ويعملون فيه، وحتى يجدون في أنفسهم الجرأة في الحكم على من هم أقل من متابعيهم، وتطور الوضع بالنسبة لهم أن استحدثت الشركات شيئا يدعى المؤثرين، حيث تحول اكتساب أكبر عدد من المتابعين كمهنة في حد ذاتها يترتب عنها مدخول مادي مرتفع، ليس بسبب قيمة معنوية أو مادية تضيفها في حياة الناس، بل فقط لأنك تمتلك عددًا مهولاً من المتابعين، وليس مهماً المحتوى الذي تقدمه لهم، طالما أنك تسطو على أي مجال تجده في طريقك، أو على اي حدث محلي أو عالمي يحدث، هذا يبدو جلياً في صفة “الفاشينيستا” التي هي نوع من الـ Modeling في عالم الأزياء ربما الشيء الوحيد الذي قدمته هذه الفئة من مشاهير الشبكات انها ساهمت توسيع قطاع أعمال الأزياء، لكن من ناحية أخرى باتت وكأنها هي الفئة الوحيدة التي تمثل أي مشهد اعلامي أو تسويقي، وهي القناة الوحيدة التي يتم من خلالها التوصل إلى جمهور أكبر.

ثم تأتي ممارسات أخرى كركوب حدث وفاة أحد العلماء أو المشاهير الحقيقيين؛ وإدعاء معرفتهم وأعمالهم، وأيضاً أي وسم جديد يخرج إلى الساحة حتى وإن كان لعبة مثل “بوكيمون جو”، وليست حسابات الأشخاص – من يطلق عليهم المؤثرين – فقط من تفعل ذلك، بل حتى الشركات تجد في هذا النوع من الركوب أسلوباً لتسويق نفسها، لكن التسويق واستغلال الحدث لغاية تجارية يبدو واضحاً جلياً حتى أنه يشعرك بسخف الشركة وسخف من يفعل ذلك. وبدل أن تسعى الشركات لتقديم شيء حقيقي والتفكير بطرق مختلفة وصادقة للتسويق نفسها تلجأ لطرق أراها خسيسة ساذجة. وكالعادة يتماهى المستخدمون مع هذه الممارسات راضين بها دون محاسبة أخلاقية لما يقوم به هؤلاء المشاهير أو الشركات على الشبكات.

فقط، هذا كل شيء، أنا لا أحب الشبكات الاجتماعية، حقد وغيرة وتكبر وأشياء أخرى.

التعليقات: 0 | الزيارات: | التاريخ: 2016/07/12

خلل الانتماء

في بلاد يصل تعداد سكانها لـ 40 مليوناً، يرتفع سقف المنافسة جداً، وإذا كانت المنافسة من الشدة إلى أنها تسحق كل خاسر وتحطمه؛ كون المجتمع في طبيعته لا يسمح للخاسر بالحياة بشكل طبيعي بعد الخسارة، يصبح من السهل حينها أن تختل معايير المنافسة، فلا تصبح الكفاءة معيارًا بأي شكل، فحينها يلجأ الأقل حظاً لسلوك طرق أخرى للفوز في المنافسة، ويبذل كل جهده لتغيير مسار المنظومة كلها، ومع الوقت يتحول هذا السلوك إلى ثقافة كاملة تسير الأغلبية، فينعكس الوضع، حيث تتغير معادلة التنافس لتتحول من الكفاءة إلى شيء آخر، وهو ما سيضع الأكفاء على مستوى أقل عن البقية الذين يجتهدون للفوز في المنافسة بأي شكل.

تخيل أن هذا يحدث مرارًا وتكراراً في أمور أخرى ليست لها علاقة بالكفاءة، بل حتى في التجارب الحياتية العادية البسيطة جداً! أو عندما تصبح الأخلاق معياراً منقوصاً منبوذا كونها تتناقض وفكرة المنافسة السائدة، المنافسة التي باتت تنحصر في من يعيش الحياة الأفضل والأنعم بغض النظر عن كفاءته أو ما يقدمه في حياته، أو حتى كيف يفعله. ثم تبدأ تلك المنافسة في محاربة من يثبت فعلياً أنه جاد في تقديم الأفضل، لن تتساهل معه، فوجوده يعني تهديدًا للأقل كفاءة.

وهكذا حتى تتحول الحياة في تلك البلاد شيئاً فشيئًا إلى أمر لا يطاق، ومن لا يستطيع التأقلم مع الوضع فقذ ضاع حتماً، يتحول هذا الضياع إلى شيء يشبه النقمة والحقد، كره – ربما – للبلاد وشعبها، ثم يتنقل إلى مرحلة أخرى وهي التجاهل لأي شيء يعنيها، ثم يفقد الأمل تماماً فيها، تتساوى مشاعره تجاهها، مثلها مثل أي بلد آخر لا يعنيه في شيء سوى أن جواز سفره يحمل اسمها فيها، لكنه لم يعد يكترث بالأمر أيضاً، سقطت لديه فكرة الوطن والأرض والتاريخ والانتماء، لقد مر بتجارب عديدة حطمته، فتلك البقعة ليس فيها مستقبل ينتظره، ثم يبحث عن مكان آخر يوفر ولو جزءً صغيرا من طموحاته كإنسان.

عند هذه المرحلة، هل يترك له الآخرون الفرصة ليبتعد بهدوء عنهم؟ الأحداث تثبت عكس ذلك، فالمطلوب أن يبقى تحت أعينهم محطماً يرونه يتعذب، لكن إن سنحت له فرصة الابتعاد، وأبدى اهتماما بالبلاد الجديدة يتهم بالخيانة وقلة الأصل، هذا الاتهام الذي يلغي فجأة كل الأحداث التي مر بها في حياته، الخيانة التي ترتبط بشكل غريب بالمكان الذي ولد فيه والذي لم يعد يؤمن به! وهو منطق غير واضح المعالم، ماذا لو لم يرغب المرء في الانتماء له؟ ماذا عن الضرر الذي تسبب به هذا البلد للشخص؟ أيتوجب عليه تحمله ورؤية حياته تذوي أمامه بسبب فساد منظومة البلاد كلها؟ أم أن العمر من القصر بحيث يستحق أن يستثمر بشكل أفضل في أي بقعة تسمح باستثماره وتقديره؟!

التعليقات: 0 | الزيارات: | التاريخ: 2016/04/15

التجربة

هذا الكلام قد لا يفهمه من تعودوا على فكرة السفر، أما في حالتي فإنه من الخطورة أن تذهب في إجازة لوحدك بمالك الخاص الذي كنت تعمل من أجله لأعوام عدة. تقتطع منه جزءً مهمًا لتقضي اجازة في مكان جديد لوحدك، أو حتى مع عائلتك.

الخطورة هنا ليست في القيام بهذا الفعل، بل في الخروج عن المألوف في عائلتك متوسطة الحال. ففي عائلتي لا يجرؤ أحدنا على القيام بفعل كهذا لأنه تبديد صريح للمال والموارد. لم نعتد الترويح عن أنفسنا بالسفر إلى أماكن جديدة نضع لها ميزانية خاصة. أو نقتطع من راوتبنا لها، حيث الراتب محدد له مسبقًا أين سيصرف بحكم مستوانا المعيشي.

قررت السفر إلى ماليزيا على حسابي الخاص دون مشاورة أحد في ذلك. حددت للسفر راتب شهر واحد يزيد عليه قليلا. أظنني تجاوزت حدي قليلا في بعض المصاريف، إلا أنني أردت تحقيق شيئ لنفسي، انجاز معنوي لم أقم به مطلقاً. لم يقم به أي فرد في عائلتي أبدًا، تجربة السفر مثل أي فرد في العالم العادي. وليس الجزائر، في السابق كنت استغرب من بعض العائلات الميسورة الحال وهي تجوب بقدر استطاعتها أكبر عدد ممكن من الدول كل سنة. من منظور عائلتنا، كان هذا تبذيراً واسرافًا وإن كنا نحلم بتحقيقه، كنا نحسدهم في نفس الوقت.

ولذلك كنا نمضي العام تلو الآخر في منزلنا صيفاً لا نتحرك. نشاهد الجيران يسافرون ويعودون ونحن في مكاننا. نمضي أيام الصيف في المنزل نشاهد البرامج التلفزيونية، تكاليف السفر مرعبة جداً لمن هم في مثل وضعنا، فالمال محسوب ولا يمكن المجازفة به. ومع الوقت تعودنا على تلك الغصة بشأن السفر وتجربة الحياة الهانئة الهادئة التي نسميها “اجازة”.

رئيسي في العمل كان يبدو لي مخبولا وهو يخطط شهريا لرحلات اجازة قصيرة مع عائلته الصغيرة، أو مع شلته المعتادة، وهو أمر لم أتعوده أبدًا، المال والتكاليف أشياء لا أعرف كيف يتصرف معها. هو لديه منظور مختلف تماماً؛ يعمل ويكد بجهد خلال أيام العمل، ويراه ضرورياً لكي يستمتع بماله لاحقًا، وهو يفعل هذا بالتأكيد، فهو أكثر شخص شاهدته في حياتي يستمتع بلحظاته ورحلاته وإجازاته.

لا أنكر أني كنت مذعورا من فكرة السفر لإجازة، لصرف المال على رحلة أتسلى فيها وأرفه عن نفسي، كنت افتح مواقع الوجهات السياحية وعيني تذهب أولاً إلى الأسعار، قبل اتخاذ أي قرار. ما يزال هذا الهاجس يلاحقني نوعاً ما، لكنني أحاول ابقاء الأمور في نطاق يمكنني معه ضبطها.

التجرية هنا لا تتعلق بكيف استمتعت أو ماذا فعلت، التجربة بالنسبة لي تتعلق بكوني قمت بالأمر أخيرا بنفسي لوحدي بحُّر مالي، وبتخطيطي الخاص، وبحساباتي الخاصة، لم استدن، لم أتورط ماليا، لم أغلق على نفسي الباب في غرفتي خلال سفري، الصدف جعلتني أكتشف الأماكن والأشخاص بشكل رائع لم أفكر به أبدًا، كانت اختياراتي محدودة حقا، لكنها كانت مفاجئة وغير متوقعة. من تعود على السفر وخاصة من لديهم سهولة في الحصول على تأشيرات السفر- أو حتى ليسوا بحاجة لها – ربما لن يستوعبوا ما أقوله بالمرة.

لا يزال يفاجئني باولو كويلهو بصحة كلامه حول المغامرات وفائدتها، محاولة تجربة شيء جديد والفرص الجديدة التي تأتي معه.

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

التعليقات: 3 | الزيارات: | التاريخ: 2016/03/31

المشكلة في السؤال

في حالة سهري الحالية أحاول جاهداً البحث عن أي موضوع أكتبه، أهتم به، عن الحماس لعملي، وللفنون البصرية بشكل عام.

لكن من بين المشاكل أن الأمر يستلزم البحث عن الالهام قدر المستطاع، لذلك لا تنفك شبكات التواصل الاجتماعي أن تعيدني إليها من جديد، لأغرق بعدها في محيط الأخبار والمنشورات والفيديوهات، المسلي منها والمحزن. لكن تبقى المنشورات التي تتحدث عن الوفيات تجرني إلى حديث متكرر يزورني في اليوم بضع مرات، فلا أكاد أتوقف يومياً عن التفكير في مصيري بعد خمس سنوات إلى عشرين سنة من الآن. هل سأكون فاقداً لموهبتي؟ هل سأكون محافظً على شغفي مستقراً نفسيا واجتماعيا ومهنياً؟ أم فاشلاً منغلقاً على نفسه محطما ينتظر اللحظة التي يموت فيها؟ هل سيأتي اليوم الذي أستجمع فيه شجاعتي لأضع حداً لحياتي؟

أنا من مواليد الثمانينات -1982- لذلك فقد عشت وتربيت على مجموعة كبيرة من الشخصيات التي شكلت تصوري عن العالم من حولي، وحددت حتى أخلاقي وتصرفاتي وقراراتي في أحيان كثيرة، هذه الشخصيات وهي تذوي وتتوفى الواحدة تلو الأخرى، بعضها يذهب في صمت وباحترام، والأخرى – هي الغالبة – تذهب بشكل مأساوي، مع ضجة كبيرة عن الحال السيء الذي رحلت به من أمراض وفقر وحاجة ومشاكل عائيلة، ولهذا لم أعد راغباً في معرفة تفاصيل وفاة ممثلي المفضل، أو مطربتي المفضلة، لم أعد أركض إلى محرك البحث لأرى أحدث صورهم قبل الوفاة بفترة، لأفاجئ بحجم التغير الذي طرأ عليهم، كان للصورة الأخيرة لفنان الرائع فؤاد المهندس التأثير الكبير على قراري بعدم رؤية صور فناني المفضلين عند وفاتهم، أعرف أناساً يتلذذون برؤية المتوفى في عامه الأخير وكيف أصبح عجوزاً تعباً، ويمطون شفاههم عن حال الدنيا المكارة، ثم يحولونه إلى وسيلة ترفيه وتسلية بالحديث عن حاله كيف كان وكيف صار!

المشكلة أن هذه الصور تعلق في ذهني، وعندما أشاهد أعمالهم تقفز صورتهم في الواجهة، ويتشوه المنظر كله، وشبكات التواصل الاجتماعي تعزز هذا الأمر بشكل مهول، ربما لهذا السبب بت أشجع من أعرفهم في حال رغبوا بوضع نعي لأحد ما، أن ينشروا صورته وهو في أفضل حالاته، صورته وهو في ذورة عطاءه وانجازته.

لكن مع الوقت أيضاً بدأت ألتفت إلى أن كل تلك الشخصيات قد بدأت تتوارى وتنتهي، ما يعني أن الأمر سيحين معي ومع جيلي وأصدقائي وعائلتي إن عاجلاً أم آجلاً، لا فرار من ذلك. وإن طرحت فكرة الموت الجانباً ونظرتي لها، بعيداً عن الدين والإيمان، فقد تجاوزت مرحلة الاعتراض عليها، كونها ستحدث في كل الأحوال، ولذلك وكل يوم يراودني السؤال الذي صار مملاً من زياراته إلي ” المشكلة ليست في: متى موتك؟ بل: كيف سيكون موتك؟”، ولا تنفك معه أن تأتي تلك الأسئلة المحيرة التي طرحتها بطلة رواية باولو كويلهو “فيرونيكا تقرر أن تموت”، فيرونيكا كانت شابة يافعة لديها كل شيء تريده، لذلك لم ترغب في الوصول إلى تلك النقطة التي تكره فيها حياتها بعدما تكبر وتشيخ، أرادت وضع حد لحياتها وهي في قمة كمالها. فلماذا يقبل الناس البقاء على قيد الحياة عند بلوغهم الـ 70 أو 80 من العمر فاقدين لقدرات عدة، مع قائمة محترمة من الأمراض والعلل التي يستحيل علاجها بأي حال. ما الذي ينتظره هؤلاء الناس من سعيهم للعلاج وتحمل الألم، والمشاكل النفسية والاجتماعية الناجمة عن تقدمهم في السن؟ الأمل؟ هل يقف وراءه الإيمان والدين؟ أم أننا ببلوغنا تلك السن نكون قد استوعباً أشياء أكثر وتقبلنا حقائق أخرى لن نفهمها الآن؟.

هل أطرح هذه التساؤلات كوني أعاني من “أزمة اقتراب أزمة منتصف العمر”؟ لحظة أنا بالكاد في الرابعة والثلاثين من عمري! هل لدى علماء النفس احصائيات بنوعية الأسئلة التي يطرحها الناس بحسب أعمارهم؟ لم أجد أي إجابة طبعاً.

صديق هندوسي متدين تعرفت عليه منذ سنة، عارضني بشدة يوم زل لساني وذكرت أمامه تفكيري اليومي المتواصل بشأن وضع حد لحياتي – الانتحار طبعاً – كوني لن أصمد أمام أي تغيير سيء قد يطرأ على حياتي الخاصة بعد فترة عصيبة جداً مررت بها بين عامي 2011 -2012 كان خلالها بيني وبين الانتحار قرار دقائق قليلة فقط، وكانت سبباً في أن أتخلى عن نظرتي للجزائر كبلد أعيش فيه، فلم أعد مؤمناً بفكرة الوطنية والشعور بالانتماء لمكان فقط لأنني ولدت فيه، العيش على تلك البقعة من الأرض هو الجحيم بعينه، مع الأسف هو قدر لا يمكنني التخلص منه، لكني سأبذل جهدي لأضع حداً له.

يرى الصديق الهندي أن حياتي يمكنها أن تصبح ذات معنى لو سخرتها لخدمة الآخرين، هو مقتنع أن حياتنا ليست لنا، بل هي ملك للآخرين، وسواء ساءت أو تحسنت فهذا لا يهم طالما أننا نسعى لإسعاد الآخرين فإننا بشكل ما سنحقق السعادة لأنفسنا مهما كانت الظروف التي نمر بها، هذا مقصد جميل ونبيل جعلني أتطفل على تلك الديانة قليلاً وأحترم الكثير من تعاليمها، وأسخر من أساطيرها وخرافاتها. لكن هذا المقترح لا يلبي شيئاً مما أقصده وأتحدث عنه، هل سيضمن السعي لاسعاد الآخرين أن لا يتحول حالي لحال شخصياتي المفضلة؟ النهاية السيئة التي لا أحبها؟ الحال التعب المنهك، أن لا تقوى على فعل ما تحب؟ عمل ما تحب؟ ممارسة أي شيء تحبه في حياتك؟ طالما الخلود ليس له مكان بيننا؟!. فأنا مهووس بالتصميم والفنون البصرية بشكل جنوني، وتقريباً لا يمضي يوم دون أن أتعلم شيئاً جديدًا أو أنفذ تصميمًا ما، باختصار أنا أحب عملي وأقدر جيداً الموهبة التي لدي، ولهذا يصر أصدقاء آخرون أن سبب تفكيري المتواصل بهذا الشأن هو لأني لم أتزوج بعد، وأن الزواج وانجاب الأطفال سيساعدني على إدراك حقائق وأمور أخرى وتقبل مواصلة الحياة بكل أشكالها ونهايتها، الغريب أن تساؤلاتي هذه هي سبب رئيس في امتناعي عن الزواج، أو على الأقل تأجيله – بالاضافة إلى أسباب أخرى لا مجال لذكرها هنا -، فلست مستعداً للارتباط لأخدع نفسي بمواصلة الحياة. لا أفهم إن كان هذا جبنًا أن يهرب المرء ويتوقف عن طرح السؤال عن توقيت وكيفية موته، وغاية حياته، أم أن الكون من الغرابة بأن الناس من الحكمة بأن يكوّنوا أسرة تشغلهم عن السؤال الذي يحيرهم.

ماذا؟ إنها تقارب الثانية صباحاً!!

ليلتكم طيبة.

التعليقات: 1 | الزيارات: | التاريخ: 2016/02/13

كيف توقفت عن العمل الحر؟

من دفتر مذكراتي الخاصة على خدمة Keep من جوجل:

لا تزال تصلني رسائل من أشخاص رائعين للعمل كمصمم حر معهم، وهذا أمر طبيعي كوني لا أزال أنشر أعمالي التي أقوم بها لنفسي – كتسلية وتدريب – على موقعي ومدونتي الخاصة أو على حساباتي على الشبكات الاجتماعية، فمن يراسلني يرغب في تصميم شعار أو هوية بصرية وأحياناً يقترح تعاوناً بيننا في مشروع معين، بعضهم يتفاجئ حين أخبره أني متوقف عن العمل الحر من فترة طويلة، ويعتبر الأمر غريباً جداً. مرت قرابة الثلاثة أعوام من التوقف عن العمل الحر، مع بعض الاستثناءات الخاصة جداً، والتي هي أيضاً انتهت مثل سابقاتها، نهاية مريعة غير مسلية بالمرة.

خلال محاولاتي العمل بشكل حر منذ 2006 أو 2007 – وهي سنة تخرجي – لم أستطع النجاح إلا في عدد قليل جداً من المشاريع، فلست أمتلك موهبة التفاوض أولاً، ولا التسعير، ولا التعامل بشكل حازم مع التصميم كمهنة وعمل، وإلى اليوم لو لم تتوفر لدي هذه الوظيفة التي أعمل بها حالياً لتضورت جوعاً، ففي الوظيفة أنا ملزم رغماً عني بالاحتفاظ بجودة العمل وبمواعيد الانجاز والتسليم.

لا أحب التعامل مع العمل بجدية، الجدية تقتلني ولا تترك لي مجال للتفكير بالتصميم أو الابداع، كما أن عملي كمصمم غرافيك يخضع لمزاجي في غالب الأوقات، لو كان بي مزاج للعمل فقد أتفرغ للمشروع اليوم كله، وإن لم يوجد المزاج أو لم يرقني العميل، أو استسخفت فكرة المشروع فسيؤجل كل شيء لآخر ساعة قبل موعد التسليم.

العميل الأول اشتكى، والثاني أيضا، ثم الثالث، وبعدها بدأت تصلني محادثات من أصدقاء يخبرونني عن سمعتي السيئة في العمل، لكنهم يصرون أن المشكلة ليست في جودة ما أقدمه، بل بالطريقة التي أعمل بها، فرسالة البريد التي يتوجب الرد سريعا عليها تنتظر لأسبوع أو أكثر، مكالمات الهاتف التي علي استقبالها اتقاعس عن التعامل معها في حينها، فأتجاهلها، كوني أخشى التورط في وعود جديدة لا يمكن أن أفي بها. حاولت جاهدًا استخدام برامج تساعدني في ضبط العمل وفشلت، تابعت فيديوهات عدة عن العمل الحر والمستقل وكيف أنظم أموري وكيف أسعر خدماتي وكيف أتفاوض مع العملاء، وكيف أدير كل مرحلة، وفشلت أيضًا. وهو الشيء الذي لا أجد له أي تفسير؟!

قبل ثلاثة أعوام أدركت أن عملي كمصمم حر لا مستقبل له، وصلت هذه القناعة لذروتها قبل عدة أشهر حين عملت بشكل خاص على مشروع لمقهى بنفس مستوى مقاهي ستاربكس وكوستا، لم تكن لدي مشكلة في البحث ووضع التوجهات الابداعية وحتى الشعار النهائي والنظام البصري للهوية الذي أعجب به العميل جداً، كانت مشكلتي في التفاصيل وتعديل بعض الثيمات وتسليم الملفات النهائية، وهو ما لم أقدر على القيام به لحد الساعة، مع أن العميل دفع المبلغ مقدمًا، لقد استسلمت وقتها، أنا سيء في العمل الحر، وإن أكملت بهذا الشكل فستكرهني القلة الباقية التي تحترم عملي، فيكفي أن تهمة “التكبر” تلاحقني أينما حللت.

لذلك خلصت إلى أن أكتفي حالياً بهذا الوضع، ولا مجال للعمل الحر بأي شكل.

التعليقات: 0 | الزيارات: | التاريخ: 2016/02/09

عزيز

وصلتني رسالتك وأنا أتهيأ لمغادرة أمستردام إلى ملاوي. فقد كلفت بالتقاط صور لأناس في قرية ينتشر فيها الإيدز ويوجد فيها عدد كبير من اليتامى.

الآن، إذا سار كل شيء على ما يرام، فإني سأعود بعد أربعة أيام. هل يمككني أن آمل ذلك؟ نعم. هل يمككني أن أتحكم بذلك؟ لا! فكل ما يمكنني عمله هو أن آخذ معي حاسوبي النقال، وأحاول إيجاد وصلة جيدة بالانترنت، وآمل أن أعيش يوما آخر، أما ما تبقى فليس في يدي. وهذا ما يطلق عليه الصوفيون العنصر الخامس – الفراغ. العنصر الالهي الذي لا يمكن تفسيره، والذي لا يمكن التحكم به، والذي لا نستطيع نحن البشر أن نفهمه، ومع ذلك يجب أن ندركه طوال الوقت. فأنا لا أؤمن “بالتقاعس” إن كنت تقصدين ذلك لأنك لا تفعلين شيئاً على الإطلاق، ولا تبدين اهتماماً عميقاً بالحياة. لكني أؤمن باحترام العنصر الخامس.

أظن أن كل واحد منا يقيم عهداً مع الله. أعرف أنني فعلت ذلك. فعندما أصبحت صوفيًا، وعدت الله أن أفعل ما يجب أن أفعله بحسب مقدرتي، وأن أترك الباقي له، وله وحده فقط. وقد قبلت الحقيقة بأن هناك أشياء تتجاوز حدودي ومقدرتي. فلا يمكنني أن أرى إلا بعض الأجزاء، مثل قطع عائمة في فيلم سينمائي، أما المخطط الأكبر فهو يتجاوز إدراكي.

الآن، تظنين أنني رجل متدين. لا، لست كذلك.

بل أنا رجل روحاني، وهو شيء مختلف. فالتدين والروحانية ليسا الشيء نفسه، وأظن أن الفجوة بين هذين الشيئين لم تكن أعمق مما هي عليه اليوم. فعندما أنظر إلى العالم، أرى ورطة تزداد عمقًا. فمن ناحية، نحن نؤمن بحرية الفرد وقوته بغض النظر عن الله، أو الحكومة، أو المجتمع. ومن نواح عدة، بدأ البشر يزدادون أنانية، وبدأ العالم يصبح أكثر مادية. ومن الناحية الأخرى، بدأت الإنسانية ككل تصبح أكثر روحانية. فبعد الاعتماد على العقل منذ فترة طويلة، يبدو أننا وصلنا إلى نقطة يجب أن نقر فيها بحدود العقل.

واليوم، كما كان الحال في العصور الوسطى، هناك انفجار في الاهتمام بالروحانيات. وبدأ عدد أكبر من الناس في الغرب يحاولون التقرب من الروحانيات في غمرة حياتهم المنهمكة بالعمل. لكن بالرغم من نياتهم الطيبة، فإن أساليبهم غير كافية في معظم الأحيان. فالروحانيات ليست توابل أخرى لذات الطبق القديم. إنها ليست شيئاً يمكننا إضافته إلى حياتنا دون أن ندخل تغييرات رئيسية عليها.

أعرف أنك تحبين الطهو. هل تعلمين أن شمس التبريزي قال إن العالم قِدر ضخم يطهى فيه شيء ضخم؟ لكننا لا نعرف ما هو حتى الآن. فكل ما نفعله، أو نلمسه، أو نفكر فيه، هو أحد مكونات ذلك الخليط. يجب أن نسأل أنفسنا ماذا نضيف إلى القِدر. فهل نضيف استياء، أو عداوات، أو غضبًا، أو عنفًا؟ أم نضيف حباً وانسجاماً؟

ماذا عنكِ أنت، عزيزيتي إيلا. ماهي المكونات التي تظنين أنك تضيفينها إلى حساء البشرية المشترك؟ عندما أفكر فيك، فإن المكون الذي أضيفه هو ابتسامة عريضة.

مع كل الحب،

عزيز

—-
من رواية “قواعد العشق الأربعون” لإليف شافاق.

التعليقات: 0 | الزيارات: | التاريخ: 2016/01/24

أنا مش ألماني

لو كنت تابعت البرنامج المزيف للحقائق “خواطر” لأحمد الشقيري فحتماً ستصاب بالجلطة الدماغية عند اكتشافك أن الياكوزا – المافيا اليابانية – هي جزء لا يتجزأ من الحياة اليابانية اليومية، وتأثيرها عميق في الحياة العادية لليابانيين، ما يجعل كل المعلومات الواردة عن تصرفات اليابانيين مثارًا للشك أولاً، ناهيك عن إلغاء الصورة المشرقة البراقة المزيفة التي رسمها البرنامج حولها. ولأسباب قريبة من هذا النوع من الصور الذهنية المسبقة والغبية التي نأخذها عن الشعوب والأشخاص، لم أعد أرى في نماذج الشعوب شيئاً يستحق الاقتداء لو لم أؤمن بالفكرة شخصياً، مثلاً طالعت قبل أيام مقالاً على ساسة بوست يتحدث عن الانتاجية العالية لدى الألمانيين والمرتبطة بالتزامهم وانضباطهم بالعمل فقط في وقت العمل ولا مجال للحياة الاجتماعية فيها سواء المباشرة أو الحياة الافتراضية من خلال الشبكات الاجتماعية كالفيسبوك والتويتر وغيرها.

متيقن أنني من نوعية البشر التي تستمتع بالمرح والحديث أثناء العمل، أنا لا أطيق العمل وسط بيئة مليئة بما يسمونه الانضباط، وهو تعبير مهذب لعملية “الخرفنة” – من خروف – والاستعباد الذي تتعرض له كموظف أو كعامل، فتصبح في النهائية رقمًا في عدد المواشي التي تمتلكها مؤسستك، التي تتعامل مع الأمور بمنطق إحصائي يستلزم الزيادة كل عام، أي أنك إن لم تضف لها أرقاماً جديدة كل عام، فهذا يعني أن موعد التضحية بك قريب، ولكي تدفعك هي لذلك، كل ما عليك فعله أن تحقق شروطاً مهمة كالتي يقوم بها الألمانيون أثناء العمل، لحظة.. وبحسب ما يقال اليابانيون أيضاً.

معلومة، حاولت جاهدًا القيام بهذا لأتحول لحمار عمل مجتهد، لكني وطوال تلك الفترة التجريبية كنت أنهار تماماً بعد أول ساعتين، ولا أستطيع الالتزام، ربما هذا راجع لطبيعة عملي كمصمم غرافيك، أما حالياً فأرتاح أكثر لفكرة الاختلاف الجيني والطبيعة الجغرافية والثقافية التي تتميز بها الشعوب، وما يتماشى مع الطبيعة الألمانية لا يتماشى بالضرورة مع طبيعتي العربية الأمازيغية التي ترفض الانضباط كالآلة، لو صادف وراقبت الهنود مثلاً فستجد أن أغلبهم لا يجدون مشكلة في القيام بنفس العمل لساعات طويلة وبدون أي تغيير يذكر لسنوات طويلة، بنفس الروتين اليومي بحذافيره، وهو ما لم أقدر عليه كذلك.

ثم من قال أني أود العيش تلك الطريقة؟ ولماذا يفترض بشعوب العالم الكد بشكل يومي منضبط، أو الأصح لماذا يفترض بشعوب العالم أن تتخذ نموذجًا معيناً تلتزم به لأنه بحسبها الصحيح، بغض النظر عن نجاحه من عدمه. أنا كائن اجتماعي في بيئة العمل، أتخلى عن الرواتب والعروض المغرية بمبالغ محترمة جدًا، وأهرب إلى الرواتب المعقولة التي تتوفر فيها بيئة عمل اجتماعية مرحة وظريفة وتسمح بمزيد من الذكريات الرائعة حيث يذوب فيها الفرق بين حياة العمل والحياة العادية مع الأصدقاء.

هذا أتذكره جيداً يوم كنت أشعر بالذنب وألوم نفسي مع أحد المؤسسات التي لم تر في – كما يبدو لي – فرداً منضبطاً يلائم طموحاتها، لكني الآن لا ألوم نفسي مطلقاً، لأني مش ألماني، ولا حتى ياباني.

التعليقات: 2 | الزيارات: | التاريخ: 2015/11/09

الموضة

الموضة. ما الذي يفكر فيه الناس؟ أيعتقدون أن الموضة أمر يتغير بحسب فصول السنة؟ هل جاؤوا حقا من أصقاع الدنيا للتباهي بملابسهم، وجواهرهم، ومجموعات أحذيتهم؟ إنهم لا يفهمون. الموضة ليست إلا طريقة في القول: أنا أنتمي إلى عالمكم. أنا أرتدي بزة جيشكم ذاتها، فلا تطلقوا علىّ النار.

منذ البداية، ومذ أن أضحت مجموعات من الرجال والنساء تعيش معًا في الكهوف، والموضة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع، حتى الغرباء كليًا. نحن نلبس بالطريقة ذاتها. أنا أنتمي إلى قبيلتك، لنتألب ونتواطأ معًا على الضعفاء كأسلوب للبقاء.

إلا أن بعض الناس اعتقدوا أن الموضة هي كل شيء، وراحوا يبددون، كل ستة أشهر، ثروة على تغيير بعض التفاصيل الدقيقة من أجل الحفاظ على عضويتهم في قبيلة الأثرياء الحصرية جداً.

ولو أنهم زاروا وادي السيليكون، حيث يضع أثرياء صناعة المعلومات في معاصمهم ساعات بلاستيكية ويرتدون جينزات رثّة، لأدركوا أن العالم قد تغير. يبدو أن الجميع ينتمون الآن إلى الطبقة الاجتماعية ذاتها. لم يعد أحد يهتم بحجم ماسة ما، أو بماركة ربطة العنق، أو حقيبة اليد الجلدية. زالت في الواقع ربطات العنق وحقائب اليد الجلدية من ذلك الجزء من العالم. لكن، على مقربة منه، تقوم هوليوود وهي الآلة أكثر قوة نسبيا – ولو أنها في انحطاط – لا يزال في وسعها إقناع البسطاء بأثواب الخياطة الراقية، وعقود الزمرد، وسيارات الليموزين المترامية الحجم. وبما أن هذا لا يزال يظهر في المجلات، فمن الذي سيجرؤ على تدمير صناعة تدر مليارات الدولارات، ومحورها الاعلانات، وبيع الحاجات التي لا فائدة منها، واختراع اتجاهات جديدة غير ضرورية بتاتاً، وابتكار مساحيق للوجه متطابقة، لكنها تحمل كلها ماركات مختلفة؟

يا للسخف! لم يتمكن إيغور من إخفاء نفوره من أولئك الذين تؤثر قراراتهم في حيوات الملايين من الرجال والنساء الصادقين الذي يكدون ويعيشون حياة كريمة، وتسعدهم المحافظة على صحتهم ومنازلهم ومحبة عائلاتهم.

من رواية الرابح يبقى وحيدًا، لباولو كويلو.

التعليقات: 0 | الزيارات: | التاريخ: 2015/09/18

العرب كائنات منخفضة الذكاء

إن إفريقيا قارة تعسة.. منحت الفرصة لتنهض لكنها دمرتها بيدها بسبب الحروب القبلية، ثم جاء دور العالم العربي الذي منح عدة فرص ليتقدم.. كان بوسعه أن يتخلص من سيطرة الغرب وأن ينعم بثرواته، لكن العرب أثبتوا أنهم كائنات منخفضة الذكاء فضلت أن تتقاتل حتى الفناء.. تذكر الأسطورة الصينية عن أسدين يلتهمان بعضمها حتى الذيلين.. هذا ما حدث بالضبط.

بالاضافة لهذا كانوا مصابين بدرجة غير مسبوقة من التعالي والغرور، باعتبارهم الجنس الأرقى والأقوى على ظهر الكوكب… قد يبدو هذا غريبًا لكن العرب مثلاً كانوا يتعاملون مع السود والصفر بتعال حقيقي، فلا يخفى عليك أنهم عنصريون جدًا في الواقع.

في حقبة معينة امتلأت هذه الأراضي بمقاتلين ملثمين يلبسون الصنادل ويحملون الكلاشنكوف ويطلقون الرصاص طيلة اليوم.

لسبب ما بدت هذه طريقة أمتع للحياة. لكم يكن أحدهم على استعداد للبناء أو العمل في التعليم أو التعلم أو شق القنوات أو زرع الأرض، فقط كانت متعتهم الوحيدة إطلاق الهاون والكلاشنكوف وتلغيم الطرقات.. وفي كل يوم تسقط مدينة في يد الفريق الأول، ثم تسقط في يد الفريق الثاني بعد أيام.. صراع عبثي لا ينتهي..

كلهم اعتبر قتل أخيه مهمة ذات أولوية عن قتل العدو.. ويتصور أنه سيصل لوضع التجانس النهائي الذي يتحرك بعده، وهو وضع مستحيل لأن التجانس للسوائل فقط..

عندما انتهت هذه الحروب، لم تنته لأن أحد الطرفين انتصر. انتهت لأنه لم يعد هناك سلاح ولا مبان تُدمر ولا رجال أصحاء يقدرون على القتال. لم تعد هناك أشجار تُحرق ولا آبار تُسمم ولا أزهار تُقطف ولا أطفال يذبحون. عندما يتحول كل شيء إلى رماد تنتهي حياة النيران.

عن رواية “مثل إيكاروس” لأحمد خالد توفيق

التعليقات: 0 | الزيارات: | التاريخ: 2015/07/15

يومًا ما في مكان ما

يومًا ما في مكان ما لن يكون هناك ما ينغص عليك عيشك وحياتك، أو أيًا يكن.. لن تكون بحاجة لأن تشغل عقلك بحسابات كثيرة لحياتك التعيسة، لن تسأل لم أنت هنا، وإلى أين ستذهب، لن يشغلك سؤال الأديان والخالق والروح والهدف، أو سؤال التطور ومن أين بدأ ولماذا وإلى أين سينتهي، لن يشغلك سؤال كيف سيكون مستقبلك؟ وما تريد له أن يكون، وكل قلقك المتواصل حول انهياره.

يومًا ما في مكان ما، ستشعر بالراحة وتتخلص من شعورك الحانق من تواجدك هنا واضطراراك للتعامل مع عشرات المتطلبات والأسئلة والالتزامات دون أن يطلب رأيك ان كنت تود فعل ذلك، في مكان ما ستغمض عينيك ولا تفكر في شيء سوى في الراحة، راحة كنت تنتظرها من زمن بعيد، ربما من قبل حتى مجيئك إلى هنا، راحة تشبه تلك التي رأيتها في أمواج صافية في شاطىء مهجور، أو شعورك الدافئ البارد فجراً أمام نافذة منزلكم مع كوب من الحليب الساخن تراقب الأمطار الهادئة، ورائحة القهوة تملأ المطبخ.

تلك الراحة عندما تفتح عينيك متلحفاً بغطاء وثير ثقيل في جو بارد في يوم جمعة قارص، وأنت تعلم أن لا التزامات عليك، فقط الفراش الدافئ والتناقض بين الدفئ والبرد حيث يمكنك قضاء اليوم بطوله هناك دون أن تمل لحظة واحدة، أو تسمح لعقل بالتفكير بأي شيء.

يومًا ما في مكان ما ستبتسم لأن الأمر انتهى، لأن كل حكايتك قد وصلت إلى نهايتها ولم تعد تحتمل المزيد، ستتركها تمضي وستتقبل الأمر كما هو راضيًا به أياً كانت تفاصيل حكايتك لأنك لم تعد مضطرا لتحملها كإرث لك، يومًا ما في مكان ما، ستستمتع بكل ثانية مثلما تستمع بالمشي حافي القدمين في حديقة بيت جدك، أو عندك تسلقك خلسة شجر التين والليمون، فقط تستمتع بالثواني والأحداث وتسجلها الواحدة تلو الأخرى في ذاكرتك، رائحة زهور الربيع البارد نسبياً، ورائحة الخشب العتيق الصادرة من محل عتاد قديم، ستمر عليها كلها وكأنك تراها للتو.

يومًا ما في مكان ما.

التعليقات: 0 | الزيارات: | التاريخ: 2015/05/31