أحتاج إلى تعلم الإلقاء والتحدث
مايو 13th, 2008 نشره
حمود
أردت أن أقول له كلامًا كبيرًا وأن أشرح له وأحلل وأفسر وأستعرض عضلاتي الفكرية والمعرفية عليه.. فوجدتني لا أقدر على ذلك.. توقف دماغي عن التكفير وعن الأداء وعن فعل الأمور كما كنت أتصورها.. تلعثمت وارتبكت وطاشت أفكاري.
نفس الشيء.. أمام تلك المجموعة.. وقفت لكي أشرح لهم وجهة نظري فبقيت صامتا لدقيقتين أفكر وأقول من أين سأبدأ وكيف سأتحدث؟
وجدت بأن التدوين والكتابة أمام شاشة الحاسوب شيء والحديث وجها لوجه أو أمام الملأ شيء آخر بالفعل.
إليكم هذه الحكاية: العام الماضي في مشروع التخرج ظننت الأمر سهلاً.. أخذت أنظر إلى ما أعددته من أعمال ومن أقوال.. ثم صادفني في تلك الفترة موضوعًا لـ سردال حول التدريب والتدريس تحدث في أحد نقاطه عن الإلقاء.
تحمست للموضوع وقلت هاه.. جات برجليها.. طبعت المقال صباحًا وقرأته عدة مرات في المعهد.. وحتى في الحافلة في رحلة العودة.. وأخذني الحماس عندما وجدت الفصل فارغا فقد كنا في السنة الرابعة وتقريبًا الجميع يتغيب لينجز مشروعه في المنزل.. فأخذت مكاني في منتصف القاعة وبدأت أتخيل الحضور وأين هم وكيف سيجلسون وكيف سينظرون إلي.. أعددت وريقات صغيرة كتبته عليها العناوين الرئيسية الواجب علي التطريق إليها.. حاولت التركيز على ما قرأته من نصائح سابقة وملاحظات حول حركات يدي المتوترة أو المتشابكة وتعابير وجهي وخطواتي الجامدة واستغلالي للمساحة الممكنة لدي.. بدوت كالمجنون حينها أتحدث مع الكراسي والطاولات.
يا فتاح يا عليم.. ما أن بدأت في التحدث مع نفسي حينها حتى اختلطت الأمور.. وجدتني - وأنا لوحدي في الفصل - غير قادر على الكلام.. ارتكبت قلت “يا نهارك مهبب يا عصام“.. هذا وأنت لوحدك أضعت الكلمات الترحيبية والافتتاحية.. ماذا ستفعل حين تجد امامك أربعين شخصًا.. الله لا يوفقك.
بحركة عفوية بيدي قمت بالشطب في الهواء وكأنني أشطب الخطأ الأول.. وبدأت في اعتصار ذهني مستدعيًا عبارات التشجيع وعدم اليأس وما ابتليت به من عالم التنمية البشرية.. “معليش.. هذه أول مرة.. زيد حاول مرة وزوج وثلاثة.. ما تفشلش يا عصام“.. حاولت بعدها عدت محاولات بعضها نجح نوعا ما في البداية ولكني سرعان ما أتدهور في الحديث حيث تكثر عبارات التكرار والـ “أ.. أأأ .. أأأأأ .. احم..”
وفي تلك الفترة كنت لا أزال أعمل في مقهى الإنترنت مساءً لدى صديقي.. قررت أن أعيد التجربة في المقهى في فترة خلو المكان من الزبائن.. حاولت وكذلك حدث نفس الشيء.. مع أنني قمت بقراءة المقال والمقالات التي انتقيتها من عدة مواقع.. في المنزل لم يختلف الأمر كثيرًا ألف وأدور أجدني أمام المرآة أكشر عن وسامتي وعن ألفاظي البهية وأتخيل نفسي إبراهيم الفقي يتحدث بكل سلاسة فتصيح في والدتي “يا مهبول.. هذاك واش خصك“.
توالت بعدها متابعتي للبرامج الفضائية ولمحاضرات الدعاة ومحاضرات التنمية البشرية - تصوروا الجنون إلى أين يصل - بل وحتى في المساجد وفي خطب الجمعة أجلس أتابع الإمام أو الخطيب وكيف يتحدث وأبقى أفرق بين من يرتجل وبين من يستعين برؤوس العناوين وبين من يقرأ الخطبة قراءةً.. بالنسبة للمحاضر العالمي إبراهيم الفقي أجلس أضرب كفا بكف وأقول “أخ” كيف يفعلها تبدو سلهة للغاية ولكن ما أن تقف لتقولها وتفعلها مثله حتى تفسد كل شيء.
عند عرض المشروع.. كنت مضطرًا إلى استخدام أحد برامج العروض وبسبب التقسيم السيئ للصالات الغير مخصصة لهذا النوع من المناسبات فقد وجدت نفسي في ركن القاعدة والحضور خلفي تمامًا بحيث أعطيتهم ظهري وأنا أشرح لهم وبقيت عيونهم ملتصقة بالعرض ونسوني وكان صوتي هو نقطة التواصل الوحيدة بيننا.. عندما أنهيت الشرح جاء وقت الأسئلة والتي كانت أغلبها حول مصطلحات لم أستعملها بالفرنسية لأني لا أعرفها وهي النقطة الوحيدة التي تذكرتها وطبقتها “حين لا أعرف شيئًا أقول لا أعرف“.. يا فالح.. جاتك خيبة.. انتهى الأمر بالتصفيق وزغردة إحدى الزميلات وبمشروعي يتم سحبه مني ليرمى في الأرشيف.. وذهبت كل جهودي لتطبيق ما تعلمته هباءً منثورا.
أمر آخر أيضًا وهو اللغة العربية.. هذا لوحده موضوع يستحق التفصيل في تدوينات.. فاللغة العربية حينما أكتب بها أجدني مرتاحا – لدي كم معتبر من الأخطاء – ولكني حين أود استعمالها “شفويًا” في طرح سؤال أو مناقشة موضوع أستغرب وأقول ما هذه اللغة؟.. لا تخرج الحروف والكلمات من بين شفتي كما أريدها.. فأنصب فاعلاً!! وأرفع الفعل الماضي!!.. وأجهاد حتى أشكل جملة مفيدةً.. مع جهد خارق أبذله حتى أستطيع تركيب المعاني والكلمات كما أريد.
أحياناً أقول “خليك زي ما انت“.. “تصرف على سجيتك“.. ولكن سجيتي تعني الضحك المتواصل ومناقشة القضايا والمواضيع من باب السخرية وهو مرفوض في الغالب.
أما الآن فإنني مقبل/وأقبلت على بعض الأمور والمشاركات احتاج فيها إلى تطوير نفسي في الإلقاء والتعبير والتحدث واستخدام اللغة العربية بشكل أفضل حتى أستطيع إيصال أفكاري وآرائي على أكمل وجه.. ويكفيني ما أراه من البحوث التي يتم إلقاؤها في الجامعة “تخبيص في تخبيص“.. لهذا فأنا في حاجة إلى تعلم الإلقاء من التحدث من أول وجديد.
أدرج في أشياء تحدث |
2 تعليقات »





باختصار الأيام الماضية كنت في دبي للمشاركة كـ “

تدوينة ربما هي بسبب موضوع سابق كتبته بسبب استفزازات تراكمت مع الوقت جعلتني أكتب غاضبًا وبأسلوب جارح.
ونضع خط أحمر تحت كلمة لكن.
لقد قضيت جزءا وافرا من حياتي عبدًا لشيء أو لآخر، فلابد أنني أعرف معنى تلك الكلمة. منذ صغري، كافحت لجعل الحرية، أثمن مقتنياتي. خضت صراعا مع والدي، اللذين أرادا أن أكون مهندسا، وليس كاتبا. صارعت بقية الصبية في المدرسة، الذين اتخذوني أضحوكة لنكاتهم المبتذلة؛ وكان لي، فقط بعد أن نزف دم غزير من أنفي ومن أنوفهم، فقط بعد أمسيات عديدة اضطررت فيها إلى إخفاء الندوب عن أمي - لأنه كان وقفا علي أنا، وليس عليها، أن أحل مشاكلي - كان لي أن أظهر للجميع أني قادر على تحمل الهزيمة من دون أن أنفجر باكيًا. صارعت للحصول على وظيفة أدعم نفسي بها، وعملت في خدمة التوصيل إلى المنازل لدى أحد المتاجر الخردة، لكي أكون حرًا من تلك الخصلة الراسخة من البتزاز العائلي: ” سوف نعطيك المال شرط أن تقوم بهذا وذاك “.
بدونكم لم يكن لهذا الإضراب أن ينجح هذا النجاح الإعلامي المتميز.