الافتراضات

ربما كان تأثير هذه التدوينة بسبب أحد الحوارات التي أجريت مع الممثل والمغني الأمريكي جيراد ليتو حين ذكر أن فترة دراسته في معهد الفنون وتجربته لأشياء كثيرة جعلته يدرك أن لا أحد يقرر ما ستكونه، ولست بحاجة لمبرر أو لإذن أحد حتى تمارس مهنة ما أو لتفعل أمرًا ما في حياتك، بإمكانك أن تكون مصممًا وممثلًا ورائد أعمال في نفس الوقت أيضًا، من الذي وضع قانونا لكل هذا؟ يمكنك السفر عبر العالم إن كنت تستطيع ذلك، ما الذي يمنعك؟

يعيدني هذا الكلام إلي التشويه الذي طال فكرة النظام التعليمي برمته، النظام التعليمي ومن فترة طويلة تحكَّم في مصائر الناس، حيث بات لدى المجتمعات أن الحصول على مهنة ما يتطلب التحصيل الدراسي العالي ومن معاهد عالية، ارتبطت الحياة بشكل جذري ولعقود طويلة بالنظام التعليمي، مع إقصاء متعمد لكل من فشل في التعامل معه، يضمن النظام التعليمي فرصة لتحصيل علمي ثابت ومتطور مع الوقت، لكنه يفترض أنه بدونه لا يحق للانسان القول بأنه متعلم! حاليا بدأ وعي عدد قليل من الناس بأن التعليم غايته التعليم، وليس التحكم بمصائر الناس أو الحكم عليهم وعلى مستواهم. كما بدأ الاهتمام بالتعليم المنزلي والتعليم الذاتي، لدينا نماذج كثيرة لبشر حققوا نجاحات مهنية باهرة والتحصيل العلمي لبعضهم لم يتجاوز الابتدائية أو الثانوية بحسب النظام التعليمي الرسمي عبر العالم، كما أعرف أشخاصًا كثرًا من بيئتي حققوا استقرارًا مهنيًا وازدهارًا ماليا دون تحصيل دراسي يذكر، وآخرون توقفوا عن التعليم الرسمي، واتخذوا طريقا خاصا بهم في تعليم ذاتي مذهل وابتكروا منتجاتهم الخاصة. لكن النظام التعليمي الحالي لا يعترف بنجاحاتهم، ومهما كانت خبرتهم المهنية والحياتية ترفض الشركات منحهم الفرص أو التأكد من مستواهم حتى. ويبقى المجتمع ينظر لهم دوما كمتخلفين مع أنهم يمثلون العبقرية في حد ذاتها.

إلى جانب هذا يفترض كثيرون أن اختيار مهنة معينة يعني أن تلتزم بها طوال حياتك، أو على أقصى تقدير أن تتطور فيها إدرايا إن كانت من الحِرف، لكن أن تمارس مهنة أخرى جديدة هو أمر مستهجن. هذا الافتراض كنت أؤمن به شخصيا لفترة من حياتي، لكني الآن أقول ما المانع في الأمر؟ هل هناك قانون يمنع الناس من ممارسة مهن جديدة؟ هل هناك عقاب سيحل بهم إن قرروا العمل في مجالات متعددة؟ هل هناك أمر الهي بالتزام مكاتبنا ومحلاتنا؟ الإجابة بكل تأكيد “لا”؛ لا يوجد شيء من هذا القبيل، اذن ما الذي يفعله البشر بأنفسهم؟ لماذا يقيدون أنفسهم بمهنة واحدة طوال حياتهم؟ ولماذا يفترضون أنهم بحاجة لمبرر أو إذن ليمارسوا مهنة أخرى؟

أقول هذا الكلام ربما لأقنع نفسي أن التصميم الغرافيكي ليس نهاية المطاف، أنا جيد في عملي، لكن هل فعلا يستحق أن أبقى فيه طوال عمري؟

افتراض مكمل للافتراضين السابقين، وقد تحدثت عنه من قبل، افتراض أن الزواج شيء اجباري في حياة البشر، لن يعجب هذا القول الكثيرين، شخصيا أرى أن الزواج قرار مهم له تبعات ومسؤوليات وتجربة عالية المستوى في مشاركة الحياة مع طرف آخر وتكوين أسرة، لكن مثل أي شيء آخر قد تنجح أو تفشل، ورأيت في حياتي من فشل في زواجه، ومن أكمل زواجه وهو لا يستحق أن يقال عنه أب. واستمرار الزواج في كل الأحوال لا يعني نجاحه. هذه نقطة وهي لا تنفي التجارب الناجحة، النقطة الثانية من افترض أن المجتمع له الحق في إجبار الناس على الزواج؟ أو أن حياتهم يجب أن تمر على نفس المراحل؟ لكل شخص نظرته للحياة التي يريدها، ويمكنه أن يعيشها بالشكل الذي يريد دون أن يتسبب بالضرر للآخرين. يقاوم المجتمع هذه الفكرة ويفترض أنك طالما تنتمي إليه فيتوجب عليك الانصياع لأسلوب الحياة العام. يثير استغرابي أن الناس لا ينتبهون مطلقا لفكرة أننا على هذا الكوكب لنحيا الحياة ونعيشها بسلام وتفاهم، وأن الأرض أوسع مما نتوقع، وأننا ضئيلون جدا لنهتم بحياة الآخرين ونكدر عيشهم بحسب افتراضاتنا، أو نفرض على بعضنا قوانين مجحفة فقط لننال الرضى النفسي وننضم إلى القطيع! لماذا يكترث المجتمع بمن ترتبط؟ ولماذا يتدخل في قرار لا أحد سيتحمل نتائجه سواك؟ يذكرني هذا بمؤسسة اشتغلت بها منذ سنوات لا ينفك موظفيها عن الحديث عن الزواج بشكل متواصل، ويريدونك أن تتزوج الآن قبل الغد، فقط لأنهم يرون هذا ضروريا، لكن لا أحد منهم يفتح فمه لو حدثته عن التفاصيل المالية لزواجك، هو لا يريد أن يضع نفسه مكانك ليري ظروفك الخاصة وهل ستتحمل تبعات الزواج أم لا، هو فقط يريدك أن تتزوج ليرضي فكرته الشخصية أو الدينية أو الاجتماعية أو أيًا كانت، هو من البداية لم يفكر إن كنت راغباً في الأمر أم لا؟!

الافتراضات لا تنتهي، لماذا يفترض المصممون أن جهاز الماك من آبل هو السبيل الوحيد لممارسة مهنة التصميم؟ رأيت غباءً منقطع النظير من مبرمج تطبيق Glyphs لتصميم الخطوط حيث يفترض أن صناعة الخطوط أمر يخص الماك فقط، وهو ما يهدم فكرة أن لا شيء في عالم التقنية ثابت أو يخضع لقانون معين، الأنظمة والبرمجيات الحرة تهدم هذه الافتراض الخاطئ حول حصر صناعة معينة بتقنية معينة، أنت حر في استخدام بل وصناعة النظام الذي تريد والتقنية التي تريد لفعل ما تريد، ولا أحد يملك ان يعيقك عن فعله.

يفترض الناس أن السفر يتوجب أن يكون محدداً ولأمكان معينة، يعجبني المغامرون من لا يتقيدون بوجهة معينة، من فجأة يقطعون روتينهم في أوقات مفاجئة من أيام دوامهم ليسافروا لوجهات غير متوقعة، يرى الناس أن هذا جنون ولا يليق، لكن من وضع هذا الافتراض؟ من قال بأنه يتوجب عليك السفر في وقت معين وأن السياحة تتوجب للوجهات العالمية المعروفة؟ شخصيا لا أحب أوروبا وفرنسا على وجه التحديد كوجهة سياحية، كما لا اهتمام لدي برؤية الأهرام في مصر، في الحقيقة الافتراض في الوجهات السياحية هو جزء مكمل للافتراض القائل أن العمل والنجاح يتوجب أن يكون في دول بعينها، يستغرب البعض من اصراري على العيش في بلاد هادئة مسالمة لا تضج بالفعاليات. يسقط الناس من حساباتهم الرؤية الشخصية للفرد نفسه في اختيار أسلوب حياته وأي بيئة يبحث، ويفترضون أن العيش السعيد بالضرورة يكون في دولة ومدن بعينها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *