التجربة

هذا الكلام قد لا يفهمه من تعودوا على فكرة السفر، أما في حالتي فإنه من الخطورة أن تذهب في إجازة لوحدك بمالك الخاص الذي كنت تعمل من أجله لأعوام عدة. تقتطع منه جزءً مهمًا لتقضي اجازة في مكان جديد لوحدك، أو حتى مع عائلتك.

الخطورة هنا ليست في القيام بهذا الفعل، بل في الخروج عن المألوف في عائلتك متوسطة الحال. ففي عائلتي لا يجرؤ أحدنا على القيام بفعل كهذا لأنه تبديد صريح للمال والموارد. لم نعتد الترويح عن أنفسنا بالسفر إلى أماكن جديدة نضع لها ميزانية خاصة. أو نقتطع من راوتبنا لها، حيث الراتب محدد له مسبقًا أين سيصرف بحكم مستوانا المعيشي.

قررت السفر إلى ماليزيا على حسابي الخاص دون مشاورة أحد في ذلك. حددت للسفر راتب شهر واحد يزيد عليه قليلا. أظنني تجاوزت حدي قليلا في بعض المصاريف، إلا أنني أردت تحقيق شيئ لنفسي، انجاز معنوي لم أقم به مطلقاً. لم يقم به أي فرد في عائلتي أبدًا، تجربة السفر مثل أي فرد في العالم العادي. وليس الجزائر، في السابق كنت استغرب من بعض العائلات الميسورة الحال وهي تجوب بقدر استطاعتها أكبر عدد ممكن من الدول كل سنة. من منظور عائلتنا، كان هذا تبذيراً واسرافًا وإن كنا نحلم بتحقيقه، كنا نحسدهم في نفس الوقت.

ولذلك كنا نمضي العام تلو الآخر في منزلنا صيفاً لا نتحرك. نشاهد الجيران يسافرون ويعودون ونحن في مكاننا. نمضي أيام الصيف في المنزل نشاهد البرامج التلفزيونية، تكاليف السفر مرعبة جداً لمن هم في مثل وضعنا، فالمال محسوب ولا يمكن المجازفة به. ومع الوقت تعودنا على تلك الغصة بشأن السفر وتجربة الحياة الهانئة الهادئة التي نسميها “اجازة”.

رئيسي في العمل كان يبدو لي مخبولا وهو يخطط شهريا لرحلات اجازة قصيرة مع عائلته الصغيرة، أو مع شلته المعتادة، وهو أمر لم أتعوده أبدًا، المال والتكاليف أشياء لا أعرف كيف يتصرف معها. هو لديه منظور مختلف تماماً؛ يعمل ويكد بجهد خلال أيام العمل، ويراه ضرورياً لكي يستمتع بماله لاحقًا، وهو يفعل هذا بالتأكيد، فهو أكثر شخص شاهدته في حياتي يستمتع بلحظاته ورحلاته وإجازاته.

لا أنكر أني كنت مذعورا من فكرة السفر لإجازة، لصرف المال على رحلة أتسلى فيها وأرفه عن نفسي، كنت افتح مواقع الوجهات السياحية وعيني تذهب أولاً إلى الأسعار، قبل اتخاذ أي قرار. ما يزال هذا الهاجس يلاحقني نوعاً ما، لكنني أحاول ابقاء الأمور في نطاق يمكنني معه ضبطها.

التجرية هنا لا تتعلق بكيف استمتعت أو ماذا فعلت، التجربة بالنسبة لي تتعلق بكوني قمت بالأمر أخيرا بنفسي لوحدي بحُّر مالي، وبتخطيطي الخاص، وبحساباتي الخاصة، لم استدن، لم أتورط ماليا، لم أغلق على نفسي الباب في غرفتي خلال سفري، الصدف جعلتني أكتشف الأماكن والأشخاص بشكل رائع لم أفكر به أبدًا، كانت اختياراتي محدودة حقا، لكنها كانت مفاجئة وغير متوقعة. من تعود على السفر وخاصة من لديهم سهولة في الحصول على تأشيرات السفر- أو حتى ليسوا بحاجة لها – ربما لن يستوعبوا ما أقوله بالمرة.

لا يزال يفاجئني باولو كويلهو بصحة كلامه حول المغامرات وفائدتها، محاولة تجربة شيء جديد والفرص الجديدة التي تأتي معه.

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

3 تعليقات على “التجربة

  1. Serene

    لمسني كلامك جدا، مثلك كثيرون.. وبشكل كبير نشعر بنفس الطريقة. لكني تعلمت مؤخرا الاستمتاع بالموجود، ومحاولة استكشاف المدن القريبة قدر الإمكان إلى أن يتيسر الأمر، ونستطيع على السفر لأماكن جديدة أبعد وأبعد.

    سعيدة بأنك فعلتها، عساها تتكرر، وليسعدك الله.

  2. التنبيهات: جرب العزلة | عبدالعزيز المقبالي

  3. حلمي

    ما اثارني في الموضوع هو تجردك حيث تركز على شخصيتك وواقعك الاجتماعي والاقتصادي كما هو عوضا على حجبه عن الاخرين ضمن خصوصياتك. التعبير اجمل عندما يحاكي واقع صاحبه لا أن يستعير شخصية وهمية. مثل هذه الكتابة تجعلني انسى تفاصيل المكتوب لانتقل الى الحالة الشعورية للكاتب التي يعيشها ويعيد خلقها لدى القارئ. لم يعد السفر في بلد ما هو الموضوع بل السفر في عمق التجربة الانسانية هو الموضوع الاهم وهو موضوع التأمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *