المشكلة في السؤال

في حالة سهري الحالية أحاول جاهداً البحث عن أي موضوع أكتبه، أهتم به، عن الحماس لعملي، وللفنون البصرية بشكل عام.

لكن من بين المشاكل أن الأمر يستلزم البحث عن الالهام قدر المستطاع، لذلك لا تنفك شبكات التواصل الاجتماعي أن تعيدني إليها من جديد، لأغرق بعدها في محيط الأخبار والمنشورات والفيديوهات، المسلي منها والمحزن. لكن تبقى المنشورات التي تتحدث عن الوفيات تجرني إلى حديث متكرر يزورني في اليوم بضع مرات، فلا أكاد أتوقف يومياً عن التفكير في مصيري بعد خمس سنوات إلى عشرين سنة من الآن. هل سأكون فاقداً لموهبتي؟ هل سأكون محافظً على شغفي مستقراً نفسيا واجتماعيا ومهنياً؟ أم فاشلاً منغلقاً على نفسه محطما ينتظر اللحظة التي يموت فيها؟ هل سيأتي اليوم الذي أستجمع فيه شجاعتي لأضع حداً لحياتي؟

أنا من مواليد الثمانينات -1982- لذلك فقد عشت وتربيت على مجموعة كبيرة من الشخصيات التي شكلت تصوري عن العالم من حولي، وحددت حتى أخلاقي وتصرفاتي وقراراتي في أحيان كثيرة، هذه الشخصيات وهي تذوي وتتوفى الواحدة تلو الأخرى، بعضها يذهب في صمت وباحترام، والأخرى – هي الغالبة – تذهب بشكل مأساوي، مع ضجة كبيرة عن الحال السيء الذي رحلت به من أمراض وفقر وحاجة ومشاكل عائيلة، ولهذا لم أعد راغباً في معرفة تفاصيل وفاة ممثلي المفضل، أو مطربتي المفضلة، لم أعد أركض إلى محرك البحث لأرى أحدث صورهم قبل الوفاة بفترة، لأفاجئ بحجم التغير الذي طرأ عليهم، كان للصورة الأخيرة لفنان الرائع فؤاد المهندس التأثير الكبير على قراري بعدم رؤية صور فناني المفضلين عند وفاتهم، أعرف أناساً يتلذذون برؤية المتوفى في عامه الأخير وكيف أصبح عجوزاً تعباً، ويمطون شفاههم عن حال الدنيا المكارة، ثم يحولونه إلى وسيلة ترفيه وتسلية بالحديث عن حاله كيف كان وكيف صار!

المشكلة أن هذه الصور تعلق في ذهني، وعندما أشاهد أعمالهم تقفز صورتهم في الواجهة، ويتشوه المنظر كله، وشبكات التواصل الاجتماعي تعزز هذا الأمر بشكل مهول، ربما لهذا السبب بت أشجع من أعرفهم في حال رغبوا بوضع نعي لأحد ما، أن ينشروا صورته وهو في أفضل حالاته، صورته وهو في ذورة عطاءه وانجازته.

لكن مع الوقت أيضاً بدأت ألتفت إلى أن كل تلك الشخصيات قد بدأت تتوارى وتنتهي، ما يعني أن الأمر سيحين معي ومع جيلي وأصدقائي وعائلتي إن عاجلاً أم آجلاً، لا فرار من ذلك. وإن طرحت فكرة الموت الجانباً ونظرتي لها، بعيداً عن الدين والإيمان، فقد تجاوزت مرحلة الاعتراض عليها، كونها ستحدث في كل الأحوال، ولذلك وكل يوم يراودني السؤال الذي صار مملاً من زياراته إلي ” المشكلة ليست في: متى موتك؟ بل: كيف سيكون موتك؟”، ولا تنفك معه أن تأتي تلك الأسئلة المحيرة التي طرحتها بطلة رواية باولو كويلهو “فيرونيكا تقرر أن تموت”، فيرونيكا كانت شابة يافعة لديها كل شيء تريده، لذلك لم ترغب في الوصول إلى تلك النقطة التي تكره فيها حياتها بعدما تكبر وتشيخ، أرادت وضع حد لحياتها وهي في قمة كمالها. فلماذا يقبل الناس البقاء على قيد الحياة عند بلوغهم الـ 70 أو 80 من العمر فاقدين لقدرات عدة، مع قائمة محترمة من الأمراض والعلل التي يستحيل علاجها بأي حال. ما الذي ينتظره هؤلاء الناس من سعيهم للعلاج وتحمل الألم، والمشاكل النفسية والاجتماعية الناجمة عن تقدمهم في السن؟ الأمل؟ هل يقف وراءه الإيمان والدين؟ أم أننا ببلوغنا تلك السن نكون قد استوعباً أشياء أكثر وتقبلنا حقائق أخرى لن نفهمها الآن؟.

هل أطرح هذه التساؤلات كوني أعاني من “أزمة اقتراب أزمة منتصف العمر”؟ لحظة أنا بالكاد في الرابعة والثلاثين من عمري! هل لدى علماء النفس احصائيات بنوعية الأسئلة التي يطرحها الناس بحسب أعمارهم؟ لم أجد أي إجابة طبعاً.

صديق هندوسي متدين تعرفت عليه منذ سنة، عارضني بشدة يوم زل لساني وذكرت أمامه تفكيري اليومي المتواصل بشأن وضع حد لحياتي – الانتحار طبعاً – كوني لن أصمد أمام أي تغيير سيء قد يطرأ على حياتي الخاصة بعد فترة عصيبة جداً مررت بها بين عامي 2011 -2012 كان خلالها بيني وبين الانتحار قرار دقائق قليلة فقط، وكانت سبباً في أن أتخلى عن نظرتي للجزائر كبلد أعيش فيه، فلم أعد مؤمناً بفكرة الوطنية والشعور بالانتماء لمكان فقط لأنني ولدت فيه، العيش على تلك البقعة من الأرض هو الجحيم بعينه، مع الأسف هو قدر لا يمكنني التخلص منه، لكني سأبذل جهدي لأضع حداً له.

يرى الصديق الهندي أن حياتي يمكنها أن تصبح ذات معنى لو سخرتها لخدمة الآخرين، هو مقتنع أن حياتنا ليست لنا، بل هي ملك للآخرين، وسواء ساءت أو تحسنت فهذا لا يهم طالما أننا نسعى لإسعاد الآخرين فإننا بشكل ما سنحقق السعادة لأنفسنا مهما كانت الظروف التي نمر بها، هذا مقصد جميل ونبيل جعلني أتطفل على تلك الديانة قليلاً وأحترم الكثير من تعاليمها، وأسخر من أساطيرها وخرافاتها. لكن هذا المقترح لا يلبي شيئاً مما أقصده وأتحدث عنه، هل سيضمن السعي لاسعاد الآخرين أن لا يتحول حالي لحال شخصياتي المفضلة؟ النهاية السيئة التي لا أحبها؟ الحال التعب المنهك، أن لا تقوى على فعل ما تحب؟ عمل ما تحب؟ ممارسة أي شيء تحبه في حياتك؟ طالما الخلود ليس له مكان بيننا؟!. فأنا مهووس بالتصميم والفنون البصرية بشكل جنوني، وتقريباً لا يمضي يوم دون أن أتعلم شيئاً جديدًا أو أنفذ تصميمًا ما، باختصار أنا أحب عملي وأقدر جيداً الموهبة التي لدي، ولهذا يصر أصدقاء آخرون أن سبب تفكيري المتواصل بهذا الشأن هو لأني لم أتزوج بعد، وأن الزواج وانجاب الأطفال سيساعدني على إدراك حقائق وأمور أخرى وتقبل مواصلة الحياة بكل أشكالها ونهايتها، الغريب أن تساؤلاتي هذه هي سبب رئيس في امتناعي عن الزواج، أو على الأقل تأجيله – بالاضافة إلى أسباب أخرى لا مجال لذكرها هنا -، فلست مستعداً للارتباط لأخدع نفسي بمواصلة الحياة. لا أفهم إن كان هذا جبنًا أن يهرب المرء ويتوقف عن طرح السؤال عن توقيت وكيفية موته، وغاية حياته، أم أن الكون من الغرابة بأن الناس من الحكمة بأن يكوّنوا أسرة تشغلهم عن السؤال الذي يحيرهم.

ماذا؟ إنها تقارب الثانية صباحاً!!

ليلتكم طيبة.

تعليق واحد على

  1. شغف

    أعتقد أنه على كل منا أن يؤمن بفكرة ما تريحه ويقتنع خلالها بجدوى الحياة. البعض يجدون هذا في الدين وتعليلاته – أيا كان- ..
    شخصيا ما يجعلني أستمر شيئان: 1) توصلت لقناعة مفادها أننا جميعا رموز في هذا الكون، ووجودنا يصنع كودا ما يغير في شكل الكون … أن كل ما علي فعله هو أن أكون مخلصة لوجودي ولما أظنني وجدت من أجله.
    2) الانغماس في الفن بين الحين والآخر يجعل المرء يشعر بالحياة وبالاستمرارية.. فالفن يجعله يرى الصورة الأشمل.
    واصل الحياة وواصل سعيك اتجاه كشف معناها …
    أظن أننا سنعود إليها مرة أخرى بعدما نموت… فما الجدوى من إنهاءها إذا كنا سنستمر فيها بشكل آخر وبمعطيات أخرى قريبا أو لاحقا كحبة مياة تبخرت من المحيط ثم عادت إليه مطرا ؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *