خلل الانتماء

في بلاد يصل تعداد سكانها لـ 40 مليوناً، يرتفع سقف المنافسة جداً، وإذا كانت المنافسة من الشدة إلى أنها تسحق كل خاسر وتحطمه؛ كون المجتمع في طبيعته لا يسمح للخاسر بالحياة بشكل طبيعي بعد الخسارة، يصبح من السهل حينها أن تختل معايير المنافسة، فلا تصبح الكفاءة معيارًا بأي شكل، فحينها يلجأ الأقل حظاً لسلوك طرق أخرى للفوز في المنافسة، ويبذل كل جهده لتغيير مسار المنظومة كلها، ومع الوقت يتحول هذا السلوك إلى ثقافة كاملة تسير الأغلبية، فينعكس الوضع، حيث تتغير معادلة التنافس لتتحول من الكفاءة إلى شيء آخر، وهو ما سيضع الأكفاء على مستوى أقل عن البقية الذين يجتهدون للفوز في المنافسة بأي شكل.

تخيل أن هذا يحدث مرارًا وتكراراً في أمور أخرى ليست لها علاقة بالكفاءة، بل حتى في التجارب الحياتية العادية البسيطة جداً! أو عندما تصبح الأخلاق معياراً منقوصاً منبوذا كونها تتناقض وفكرة المنافسة السائدة، المنافسة التي باتت تنحصر في من يعيش الحياة الأفضل والأنعم بغض النظر عن كفاءته أو ما يقدمه في حياته، أو حتى كيف يفعله. ثم تبدأ تلك المنافسة في محاربة من يثبت فعلياً أنه جاد في تقديم الأفضل، لن تتساهل معه، فوجوده يعني تهديدًا للأقل كفاءة.

وهكذا حتى تتحول الحياة في تلك البلاد شيئاً فشيئًا إلى أمر لا يطاق، ومن لا يستطيع التأقلم مع الوضع فقذ ضاع حتماً، يتحول هذا الضياع إلى شيء يشبه النقمة والحقد، كره – ربما – للبلاد وشعبها، ثم يتنقل إلى مرحلة أخرى وهي التجاهل لأي شيء يعنيها، ثم يفقد الأمل تماماً فيها، تتساوى مشاعره تجاهها، مثلها مثل أي بلد آخر لا يعنيه في شيء سوى أن جواز سفره يحمل اسمها فيها، لكنه لم يعد يكترث بالأمر أيضاً، سقطت لديه فكرة الوطن والأرض والتاريخ والانتماء، لقد مر بتجارب عديدة حطمته، فتلك البقعة ليس فيها مستقبل ينتظره، ثم يبحث عن مكان آخر يوفر ولو جزءً صغيرا من طموحاته كإنسان.

عند هذه المرحلة، هل يترك له الآخرون الفرصة ليبتعد بهدوء عنهم؟ الأحداث تثبت عكس ذلك، فالمطلوب أن يبقى تحت أعينهم محطماً يرونه يتعذب، لكن إن سنحت له فرصة الابتعاد، وأبدى اهتماما بالبلاد الجديدة يتهم بالخيانة وقلة الأصل، هذا الاتهام الذي يلغي فجأة كل الأحداث التي مر بها في حياته، الخيانة التي ترتبط بشكل غريب بالمكان الذي ولد فيه والذي لم يعد يؤمن به! وهو منطق غير واضح المعالم، ماذا لو لم يرغب المرء في الانتماء له؟ ماذا عن الضرر الذي تسبب به هذا البلد للشخص؟ أيتوجب عليه تحمله ورؤية حياته تذوي أمامه بسبب فساد منظومة البلاد كلها؟ أم أن العمر من القصر بحيث يستحق أن يستثمر بشكل أفضل في أي بقعة تسمح باستثماره وتقديره؟!

تعليق واحد على

  1. choxntr

    very good article , me too I share this point of view , a country where I can’t even have my dignity preserved is not my country I regect it, I dispise it

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *