مؤثر في الشبكات الاجتماعية

تشهد دول الخليج طفرة في الاهتمام بالفنون البصرية، بعكس دول المغرب عموماً والجزائر خصوصا التي لا يبدو عليها الاكتراث بالفنان بأي شكل، حاليا وأقولها وأنا مغمض العينين أن دراسة الفنون ليس لها أي مستقبل في الجزائر. إذا أردت أن تبقى فنانا وتمارس الفن، فمارسه كهواية، أو سافر خارج البلاد وأرح نفسك عناء البحث عن الفرص المعدومة، أو التقدير لفنك. في الحقيقة هذا ما قمت به والآن أدفع ثمنه، لكنه يبقى رغم كل شيء ثمناً بخسا لو قارنته ببقائي في الجزائر، مشكل هذا الثمن أنك تستسلم له لأنك لا تملك خيارا آخر يقابله. في بداية تعرفي على شبكة الانترنت لأول مرة، تعرفت على التصميم الغرافيكي، الأمر الذي قادني لاحقاً لدراسة الفنون الجميلة، ثم الفنون البصرية، بدأت بالتوازي معها التدوين الذي كان ظاهرة حقيقية في الاعلام الجديد، أو اعلام المواطن، نالت مدونتي حمود استوديو شهرة لا بأس بها، ثم جاءت مدونة شعارات كمشروع تدريبي متزامن مع مشروع تخرجي، خلال تلك السنوات أظنني كونت اسمًا صغيرًا لي في مجالي، لكن الجزائر لا تهتم بالفنون على الاطلاق، والتواجد وسط الخليجيين أمر صعب جدًا؛ فالسعوديون على سبيل المثال، لديهم من القدرة على دعم أي مصمم سعودي مهما كانت درجة موهبته، وأنت لا تملك بالتأكيد حق منع شخص من دعم شخص آخر من نفس بلده!

وكوني قد قررت العمل في مجال التصميم الغرافيكي فقد أصبح تقدمي في مساري المهني يحتم علي استخدام الشبكات الاجتماعية، تسويق أعمالي، وتسجيل أفكاري وكتابة المقالات حول الأمور التي تعنيني، أو البقاء في الصورة قدر الإمكان، الشبكات الاجتماعية أو ما يصطلح عليه مهاويس اللغة العربية بـ “شبكات التواصل الاجتماعي” لا خلاف في أنها الآن تحتل قطعة مهمة في الحصول على فرص وظيفية وتسويقية أعلى في مجال الابداع وبشكل مجاني وجزئي، ولا يمكن انكار ذلك، لكنني لا أحب الشبكات الشبكات الاجتماعية، استخدمها مضطراً.

سبب ذلك جاء بحكم عملي واضطراري للاطلاع الدائم على كل ما يدور حول عالمها، ومضطر للخوض يومياً في ذلك العالم لأقوم بعملي بالشكل الصحيح، متابعة التوجهات الجديدة في تصاميم المنشورات، معرفة التعامل الصحيح مع كل محتوى يتم توفيره بناء على الاستراتجية المعتمدة للعميل ورسالته وغيرها، وباختصار أمضي جزءا مهما من يومي المهني في هذا العالم. وهو ما يعني ملاحظتي المباشرة للمستخدمين وتوجهاتهم، وملاحظتي كيف يعمل الناس في الشبكات الاجتماعية.

لذلك فمشكلتي مع الشبكات الاجتماعية ليس معها كوسيلة بقدر ما هي مشكلة مباشرة مع المستخدمين أنفسهم، وهي مشكلة بسيطة وواضحة ومباشرة وأخلاقية، وهي مع القيمة التي يضيفها المستخدمون، في أيام الدراسة كانت لدينا تلك النماذج من الطلبة دائمي الظهور والكلام عن قوة فنهم وتقنياتهم، وبعد مضي أربع سنوات بات لدينا بداخل المدرسة – بعيدا عن جو المعارض والندوات – معرفة صحيحة بمن يدعي القول حول فنه ومن يدعي عكس ذلك، أصحاب الفن والمهارات الحقيقية من لديهم القدرة على الموازنة بين ما يقولون وما يفعلون اكتسبوا مع الوقت احتراما لهم، وأصبحت أي جملة يتفوهون بها تعني أن هناك قيمة حقيقية من وراءها بعيدا عن حب الظهور والتسويق الكلامي، وخسر الآخرون احترام واهتمام الجميع.

في الواقع أنا أطبق هذا الكلام حرفيا في الشبكات الاجتماعية حين أدخل أي حساب، أعرف أن من حق أي شخص استخدام أي وسيلة لتسويق نفسه، لكنني أحتقر تلك الفئة المهولة التي لا تفعل شيئًا، والتي تتحول إلى ناسوخ كبير، ينسخ كل ما يراه على المواقع والحسابات الأخرى. حتى أني كونت قائمة بالمصممين الذين أحترم عملهم جدا وانتظر بفارغ الصبر ما سينشرونه من أعمال ومشاريع حقيقية توازن بين ما يتحدثون عنه من حين لآخر. لكن وأخشى قول هذا، أصبح هذا المجال مثل مجال التنمية البشرية الذي انتقده دوما، حيث يبيعك أغلب أفراده وهماً لاتجد نفعا له، وهي تهمة لصيقة دوما بعبارة التسويق، وهو ما يحدث على الشبكات الاجتماعية، فقط أمسك في عبارتي إبداع و تصميم وسيتصور الناس أنك ضليع في التصميم، المشكلة تتضاعف حين تبحث عن ابداع حقيقي لهذه الفئة، عن منجزات ومشاريع تدعم كل ما يقولون فلا تجد، وما تجده يبدو قليلا جدا ومتواضعا مع التصورات والوعود الكلامية التي تطالعها لهم في في حساباتهم.

هناك درس تعلمته من فترة طويلة، بالتحديد بين الأعوام 2008 و 2009، حين كنت مغتراً بشهرة مدونتي هذه، يوم وصلتني دعوة من نادي دبي للصحافة للمشاركة في منتدى الاعلام العربي، الحقيقة أنني وجدت نفسي غبياً وجاهلا بقدر كبير، فأنا ذاهب للمشاركة في كلام لست أعي نصفه حتى، في المشاركة الأولى مرت الأمور بشكل طيب، في العام الثاني بات واضحاً لدي أني ارتكبت خطئاً فادحاً بقبول المشاركة، كان يجب علي استيعاب ما سأتحدث عنه وما يتوجب علي قوله، كان ألطف كلام قيل عني وقتها “شفافية الشباب” كنوع من وصف سذاجتي وسطحيتي في التحدث عن الاعلام الجديد وعن ثورة المدونات.

الآن يبدو أن الناس تجد الأمر ممتعاً بالنسبة لها الحديث في أي شيء، والفتي في أي موضوع، وأيضاً السطو على أي مجال والتحدث باسم مجموعة كبيرة من البشر الذين بذلوا سنوات عديدة من عمرهم يدرسونه ويعملون فيه، وحتى يجدون في أنفسهم الجرأة في الحكم على من هم أقل من متابعيهم، وتطور الوضع بالنسبة لهم أن استحدثت الشركات شيئا يدعى المؤثرين، حيث تحول اكتساب أكبر عدد من المتابعين كمهنة في حد ذاتها يترتب عنها مدخول مادي مرتفع، ليس بسبب قيمة معنوية أو مادية تضيفها في حياة الناس، بل فقط لأنك تمتلك عددًا مهولاً من المتابعين، وليس مهماً المحتوى الذي تقدمه لهم، طالما أنك تسطو على أي مجال تجده في طريقك، أو على اي حدث محلي أو عالمي يحدث، هذا يبدو جلياً في صفة “الفاشينيستا” التي هي نوع من الـ Modeling في عالم الأزياء ربما الشيء الوحيد الذي قدمته هذه الفئة من مشاهير الشبكات انها ساهمت توسيع قطاع أعمال الأزياء، لكن من ناحية أخرى باتت وكأنها هي الفئة الوحيدة التي تمثل أي مشهد اعلامي أو تسويقي، وهي القناة الوحيدة التي يتم من خلالها التوصل إلى جمهور أكبر.

ثم تأتي ممارسات أخرى كركوب حدث وفاة أحد العلماء أو المشاهير الحقيقيين؛ وإدعاء معرفتهم وأعمالهم، وأيضاً أي وسم جديد يخرج إلى الساحة حتى وإن كان لعبة مثل “بوكيمون جو”، وليست حسابات الأشخاص – من يطلق عليهم المؤثرين – فقط من تفعل ذلك، بل حتى الشركات تجد في هذا النوع من الركوب أسلوباً لتسويق نفسها، لكن التسويق واستغلال الحدث لغاية تجارية يبدو واضحاً جلياً حتى أنه يشعرك بسخف الشركة وسخف من يفعل ذلك. وبدل أن تسعى الشركات لتقديم شيء حقيقي والتفكير بطرق مختلفة وصادقة للتسويق نفسها تلجأ لطرق أراها خسيسة ساذجة. وكالعادة يتماهى المستخدمون مع هذه الممارسات راضين بها دون محاسبة أخلاقية لما يقوم به هؤلاء المشاهير أو الشركات على الشبكات.

فقط، هذا كل شيء، أنا لا أحب الشبكات الاجتماعية، حقد وغيرة وتكبر وأشياء أخرى.

تعليق واحد على

  1. نوف الزدجالية

    السلام عليكم ^^

    موضوعك جدا مهم ولابد ان يصل لجميع القراء الشباب ، خصوصا عندما ذكرت موضوع الناسخون والمقلدون ، ويا للأسف هؤلاء عددهم في ازدياد كل يوم! اصبحت الكثير من المواقع تسهل عمل المصممين بشكل عام بتوفير الخطوط والرسمات والتصاميم والايقونات الجاهزة سواءً بالمجان او بمبلغ مالي بسيط يمكن لأي شخص دفعه.. والمشكلة في ذلك عندما يأتيك شخص يقول عن نفسه مصمم لانه تمكن فقط من دمج تلك الرسمات والايقونات الجاهزة بشكل جميل، او أولئك الذين يحبون وضع وسم “تصميمي” تحت صورة اخذوها من جوجل ووضعوا عليها بيتان من شعر احد المشاهير ، فعلا يغضبني رؤية مثل هذه الصور لانهم نسبوا لأنفسهم عمل هو عبارة عن دمج لما ليس لهم اساساً .. المشكلة ان مثل هؤلاء يؤذي سوق التصميم بشكل عام واصبح الجمهور اقل وعياً بقيمة التصميم بحيث ان عرضت عليهم سعرا لأحد اعمال التصميم سيبحثون عن هؤلاء “المصممين والناسخين” ليحصلو على شيء ارخص ، عادة هؤلاء الزبائن لا يهتمون بجودة واصالة العمل..

    وبالنسبة للفترة التي ذكرتها عندما كنت مغتراً ههههه فلا تقلق هذه المرحلة تمر على كل انسان وجد نفسه متمكنا ولو بشكل متوسط في مجال ما، انا مرت علي هذه الفترة في سنة ٢٠١٣ لانني حصلت على عدة جوائز ومقابلات في المجلات والراديو وغيرها ، فطبيعي جداً ان يصيبني شيئا من الغرور لفترة ما.. وللاسف شعرت بالندم بعدها، حيث اني كنت كالارنب في قصة الارنب والسلحفاة ، وصلت بعيدا وقررت ان اخذ راحة واستمتع بتصفيق الجمهور وذهولهم، ولم انتبه ابدا للاخرين اللذين كانوا مبتدئين (السلاحف) وهم يسبقونني ويتطورون اسرع مني حينما كنت انا واقفة مكاني ظناً مني اني لم اعد احتاج التعلم والتطور اكثر فقد وصلت القمة ، لكن هذه كانت اكبر غلطة في حياتي .. تعلمت من خطاي ولله الحمد اصبحت اتطور واجاري الاخرين في مجالي..

    فقط اردت مشاركة رأيي واتمنى لك كل التوفيق في ما تقوم به ان شاء الله

    تحياتي\
    نوف الزدجالية – سلطنة عمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *