8 تعليقات ~ 2009 March 31

في الحديث عن الحب وتبلد المشاعر

موسم الهجرة إلى الشمال: اقتنيتها العام الماضي من مكتبة الشروق.. ترددت كثيرا في شراءها.. ثم قلت لا بأس أتركها للأيام.. لو بحثت في الجوجل فستجد عشرات المقالات حولها ونصوص نقدية ودراسات لا حصر لها.. قرأتها بعد عدة شهور من شراءها وأعجبتني كثيرًا كقارئ عادي ولن أتفلسف فيها وأتحدث كالعالم بأمور الأشياء وبواطنها.

كان أكثر ما استمتعت به هو لغتها العربية الأكثر من راقية، كل جملة فيها مختارة بعناية ودقة كبيرتين وقد توقفت عند الكثير منها أعيد قراءتها عدة مرات.. ولكن أكثر ما شدني في الرواية هو مقطع أفكر فيه من حين لآخر وينطبق علي في العديد من المواقف والأحداث والمراحل.. موسم الهجرة إلى الشمال صارت مرتبطة بالنسبة لي بهذا المقطع فقط.. ما أن يتم ذكرها أو ذكر اسم الطيب صالح حتى أتذكر هذا المقطع الذي يحيرني في كل مرة. وفي كل مرة أتسائل: “هل أنا هكذا بالفعل؟؟؟”

غريب جدًا أن ترمي برواية بهذا الحجم من الشهرة والوزن خلف ظهرك وتختصرها في صفحتين صارتا أهم شيء قد يلخص حياتك نفسها.. تحدثت مع أحد الإخوة منذ أيام على السكايب وكان أن كتب لي بضع كلمات بسبب مقال قرأه أعاد له ذكريات سابقة وشجون إلى الماضي وإلى الطفولة.. أعلم بأنه سيقرأ هذه التدوينة حتمًا ولكن ما كتبه حفظته عندي.. كتب يقول: في داخل كل منا طفل يحن إلى الشقاوة، يحتاج إلى حنين الأم وهمسات الأب، يحتاج إلى الهدهدة.

هذا الكلام وحده لا أستطيع قوله بهذه البساطة حنجرتي تختنق لو فكرت فقط في قوله.. أعترف بأنني بليد في الحديث عن المشاعر.. ربما هي تلك العقلية التي لا تسمح لي بالتنازل والحديث عن مشاعري وأفضل الإبقاء عليها سرا يخصني وحدي.. أولها الحب.. الحديث عن الحب يعتبر من المحرمات في قاموسي.. أو أتصوره كذلك.. بالإضافة إلى كمية السخرية والضغط الاجتماعي الجزائري المعتاد الذي سيعتبرك مجرما من الدرجة الأولى لو فتحت هذا الملف على الملأ.. والصديق نفسه ( ليس جزائريا ) يسألني عن الحب فلا أجد ما أجيبه عنه فأبقى أبتسم كالأبله.. هل هي عقدة نفسية أم ماذا؟؟؟

كثيرا ما شاهدت أفلاما تتحدث عن الحب وعن قصص الحب.. استمتعت بها ولكن بعد انتهاء الفيلم أتخيلني كنت أشاهد فيلما من الخيال العلمي فأحداثه لا تدور على أرضي القاحلة.. وشخصياته خرافية لا أراها إلا في حكايات ألف ليلة وليلة.

هذا جزء فقط من الذي جعلني ألخص الرواية في هاتين الصفحتين فقط.. الجزء الآخر أترككم تستنجوه من المقطع الذي سأدرجه هنا والجمل المهمة بالخط الغليظ:

طويت المرحلة الأولى في عامين، وفي المدرسة الوسطى اكتشفت ألغازًا أخرى، منها الانكليزية. فمضى عقلي يعض ويقطع كأسنان محراث. الكلمات والجمل تتراءى لي كأنها معادلات رياضية، والجبر والهندسة كأنها أبيات شعر. العالم الواسع أراه في دروس الجغرافيا، كأنه رقعة شطرنج. كانت أقصى غاية يصل إليها المرء في التعليم تلك الأيام. وبعد ثلاث أعوام، قال لي ناظر المدرسة، وكان انكليزيا: “هذا البلد لا يتسع لذهنك، فسافر. اذهب إلى مصر أو لبنان أو انكلترا. ليس عندنا شيء نعطيك إياه بعد الآن”. قلت له على الفور: “أريد أن أذهب إلى القاهرة”. فسهل لي، فيما بعد، السفر، والدخول مجاناً في مدرسة ثانوية في القاهرة، ومنحة دراسية من الحكومة وهذه حقيقة قي حياتي، كيف قيضت الصدف لي قومًا ساعدوني وأخذوا بيدي في كل مرحلة، قومًا لم أكن أحس تجاههم بأي إحساس بالجميل. كنت أتقبل مساعداتهم، كأنها واجب يقومون به نحوي.

حين أخبرني ناظر المدرسة بان كل شيء أعد لسفري للقاهرة، ذهبت إلى أمي وحدثتها. نظرت إلي مرة أخرى، تلك النظرة الغريبة. افترت شفتاها لحظة كأنها تريد أن تبتسم ثم أطبقتهما، وعاد وجهها كعهده، قناعًا كثيفًا بل مجموعة أقنعة. ثم غابت قليلاً، وجاءت بصره فوضعتها في يدي وقالت لي:

“لو أن أباك عاش، لما اختار لك غير ما اخترته لنفسك. افعل ما تشاء. سافر. أو ابق، أنت وشأنك. إنها حياتك، وأنت حر فيها. في هذه الصرة مال تستعين به”. كان ذلك وداعنا. لا دموع ولا قبل ولا ضوضاء. مخلوقان سارا شطرًا من الطريق معاً، ثم سلك كل منهما سبيله. وكان ذلك في الواقع آخر ما قالته لي فإنني لم أرها بعد ذلك. بعد سنوات طويلة، وتجارب عدة تذكرت تلك اللحظة وبكيت. أما الآن، فإنني لا أشعر بشيء على الإطلاق. جمعت متاعي في حقيبة صغيرة، وركبت القطار. لم يلوح لي أحد بيده ول تنهمر دموعي لفراق أحد. وضرب القطار في الصحراء، ففكرت قليلاً في البلد الذي خلفته ورائي، فكان مثل جبل ضربت خيمتي عنده، وفي الصباح قلعت الأوتاد وأسرجت بعيري، وواصلت رحلتي. وفكرت في القاهرة ونحن في وادي حلفا، فتخيلها عقلي جبلاً آخر، اكبر حجماً، سأبيت عنده ليلة أو ليلتين، ثم أواصل الرحلة إلى غاية أخرى.

Tags: ,

8 تعليقات على ”في الحديث عن الحب وتبلد المشاعر“

  1. Prometheus 2 April 2009 at 4:12 am رابط التعليق

    أهلا عصام.
    وشكرا لك على العرض الجميل. سبق وان قرأت هذه الرواية وأعجبتني. هناك أيضا للطيّب صالح “عرس الزين” وهي رواية لا تقلّ جمالا وإمتاعا عن موسم الهجرة.
    موسم الهجرة كما هو واضح تناقش موضوع العلاقة بين الثقافات ونظرتنا للآخر. أظن أن هذا ما قصدته بإيرادك المقطع الأول. الصور النمطية عن الآخر وانطباعاتنا المسبقة غالبا ما لا تكون صحيحة. وهذه فكرة تأكدت من صحّتها بفعل التجربة والممارسة. فهناك من الآمال والتطلعات ما يجمع بين البشر أكثر بكثير مما يفرّقهم.
    شكرا لك على موضوعك الرائع. ولا يفوتني أن أشيد بجمال أسلوبك وروعة عرضك للأفكار التي تضمّنها الموضوع.

  2. dzs.ch 2 April 2009 at 1:17 pm رابط التعليق

    مرحبا عصام
    المشكلة التي طرحت مشكلة الجزائريين بصفى عامة على مايبدو
    شخصيا على أن أكون أكثر صراحة في التعبير
    هذه ليست عقدة وإنما طبيعة المجتمع الرجولي الذي نترعرع فيه هو المشكلة
    دمتم بخير

  3. hanadi 5 April 2009 at 8:44 am رابط التعليق

    أريد فقط أن أقول أن ما كتبته قد أثر فيي كثيرا…

  4. blooom 5 April 2009 at 4:01 pm رابط التعليق

    الاخ عصام لا يوجد احد قرا روايات الطيب صالح و لم تترك فيه الاثر السيريالي العميق و من على هذا المنبر اوصيك ايضا ان تقرا روايات لمؤنس الرزاز صحيح انه لم يعط حقه من طرف النقاد-ماضغي الكلام- لكن قد يعجبك قد يؤثر فيك لدرجة يجعلك تهتز او ترتعش كلما قرات صفحة
    من رواية الذاكرة المستباحة او غيرها

    اما بخصوص الحب الحب العفيف الذي يقول عنه بن جلون الحب الاول عفيف كالخيانة و سيكون بسيطا كبساطة النهد التام …

    اعتقد اعتقد -دون ان الزم احدا بعقيدتي – اننا معشر الجزائريين فاقدي راس الخيط الذي يقودنا للحب في اسمى معانيه و اذا احببنا نحب بطريقة جزائرية محظة -اعجز عن شرحها لانك تفهمها يا شريكي- بحكم المشترك -الجزائر طبعا-
    و بقدر حجم الكلام الذي سقه اليك كرد -الحقيقة عدد كلمات الرد تفوق عدد كلمات الموضوع و هذه احدى مفارقات الجزائري/الحمد لله الذي جعلنا كذلك/

    المهم يا سي عصام الحب اذا جردناه من المفهوم الجزائري الخاص للحب /***/ نجد انه لا يتجاوز علاقة صداقة حميمة
    جدا دون اساطير و دون اكاذيب و تلفيقات مفهوم بسيط صداقة تنشا بيني- حتى لا اتهمك هههه- و بين زميلة
    دراسة مثلا او زميلة عمل -دون تطبيق فتوى ارضاع الكبير-

    الحب تجريديا سيرياليا لا يعدو ان يكون علاقة صداقة علاقة روحية متينة هذه المرة موجة بالضرورة لكائن ادمي
    من جنس اخر- لا اقصد سكان المريخ طبعا- و انما الانثى

    و هكذا اذا فهمنا نحن الجزائريين ان الحب لا يعدو ان يكون
    صداقة و علاقة روحية و نفسية ستحل جميع مشاكلنا

    من الاخلاقية الى الدينية الى الاقتصادية ممرورا بالامنية و صولا الى السياسية و اعذر ثرثرتي بسبب تداعيات الكف عن التدخين و النيكوتين اللذيذ ..اه اشتاق اليها -اي السيجارة- لكن

  5. حمود 7 April 2009 at 3:16 am رابط التعليق

    أشكركم يا رفاق.. اعتذر عن تأخري وتثاقلي في الرد على تعليقاتكم الكريمة لعدة أسباب.. سأحاول العودة إلى هنا فيما بعد.

  6. سيدعلي 14 May 2009 at 9:36 am رابط التعليق

    أخي عصام الحب كلم جميل ورواي صحيح خيرو الكلام مقل ودل خيرالحب الحب في الله وأشكرك جزيل الشكر علي القول الذي ضكرته

  7. في الحقيقة الكلمات لا تسعنا حتى نعلق عن كتابات الكاتب العبقري الطيب صالح الذي تطرق للعلاقة بين الرجل والمراة بالطريقة التي كلنا لا نعترف انها موجودة وهنا وانا اتكلم عن هذا ليس اتغاضى عن الدين والاخلاق ولكني اتكلم عن واقع مهما تجاهلناه فهو موجود. مهرة

  8. imane 7 July 2009 at 7:24 am رابط التعليق

    والله كلام حلو كتير و اثر فيا حقيقي و انا اقول انو صفة الجزائريين هي رجولة لهدا فهو يخفي مشاعره قليل ما يظهرها للغير و هي شيء جميل جدا الحقيقة


أضف تعليق