أن تكون حقيقيًا

مذ بدأت التدوين نهاية العام 2005، ومنه إلى التدوين المتخصص لم يكن من طبعي استجداء المتابعة والتعليق، وقتها كنت أنظر لها على أنها منقصة، ولم يكن من طبعي أيضاً أن أتابع من وما يحبه الناس لأكتب عنه، مع قليل من “الكبر والتكبر” بداخلي – كما يتم وصفي – بقيت أكتب فقط ما أود الكتابة عنه، ومع انتشار المدونة فجأة ودون تخطيط أو توقع كانت تأخذني أحيانا حالة الزهو بهذا الإنجاز لكني كنت أعلم أن الزهو والكبر بهذه الأمور خطأ، هناك شيء يخبرني أن الشيء الجيد سيبقى وسيثبت نفسه، لكن مع الانترنت هذه القاعدة تثبت نفسها بعد عناء طويل طويل جدًا. تزامنت مدونتي مع بدء تخصصي في الفنون البصرية والعمل شيئاً فشيئاً على مشاريع هنا وهناك صرت أعلم أن التسويق ونشر الأعمال شيء مهم، جاءت بعدها مدونة شعارات التي فتحت لي بابًا مهماً في مساري المهني متزامنة أيضاً مع تخرجي من الفنون بتخصص في الاتصال البصري، لكني كنت صادقاً جداً بشأن المدونة، كانت وسيلة أتعلم منها وأنشر ما أتعلمه، حتى أني وضعت عبارة “مدونة مهتمة” وحذفت عبارة متخصصة لأن التخصص شيء ضخم فعلاً، وركزت على نشر ما أراه مهما ومفيداً، ثم جاءت شبكات التواصل الاجتماعي ليزداد الاهتمام بالتصميم الجرافيكي أكثر ويزداد الوعي بأهميته في حياة الناس.

مع شبكات التواصل الاجتماعي، بدأ يصعد نجم “الإلهام والإستلهام” في مجال التصميم، وهذا ببساطة عبارة عن أن المستخدم يقوم بنشر روابط أو صور فنية متنوعة كالصور والتصاميم والفيديوهات أو حتى مقالات، ولفترة معينة كان هذا الأمر مقبولاً، لأن هذا هو أساس شبكات التواصل الاجتماعي “المشاركة”، لكن المسألة توسعت ليصبح هذا النظام هو السائد، صار ولعا لدى الناس متابعة الحسابات التي تنشر أعمالاً فنية لآناس أخرين، وفي ظرف وقت قياسي صارت تلك الحسابات تعج بالمتابعين، وصار كذلك العملاء يبحثون عنهم، في الحقيقة حاولت أن أقوم بهذا الأمر لأني بحاجة لتسويق أعمالي وتوضيح تخصصي المهني، لكن الاشكالية هي نفسها الاشكالية السابقة، المركزية المشرقية، يصعب عليك المنافسة في وسط ليس وسطك أولاً، جنسيتك ستكون هي بطاقة تعريفك في كل مكان، وكوني قد رفعت يدي عن دعم بني جنسي ومن سنوات طويلة جداً، وأتوقع أن ألقى سبابا واهانات واعتراضا من قبلهم على كلامي هذا، لكني فعلا لم أعد أكترث، وأعترف أني حاولت اللجوء إلى تطبيق نفس الفكرة أن يكون حسابي معتمداً على نشر أعمال الغير والافتاء في كل شيء في عالم التصميم والفنون، لكني فشلت، ليس بسبب أن الأمر صعب، لا بل هو سهل جداً، فما أسهل أن تقتات على أعمال الغير وعلى إعادة نشر ما تنشره مواقع التصميم! كل ما تحتاجه هو مصادر معينة وجدول زمني محدد لكل شهر للنشر وأسلوب تفاعل معين مع المتابعين، لكني توقفت وفشلت، أولا لأنك تسأل نفسك بعد فترة ما الذي تفعله؟ أنت لا تصنع المحتوى، بل تعيش على محتوى الآخرين ووجدتني لا أريد المواصلة في نفس الفعل. وثانيا فشلت لأن الرقعة الجغرافية التي ليس لي غيرها لكي أعمل لا تكترث لي كوني مختلف وأنتمي لرقعة جغرافية أخرى كذلك لا تكترث لي أيضاً ومجالي فيها ليس فيه مستقبل.

حتى الآن فإن تركيزي مايزال على ثلاث نقاط أساسية، أولا الاستمرار في العمل والانتاج وعرض أعمالي، ثانيا التعلم المتواصل بين التصميم وبين المهارات الإدارية لمشاريع التصميم، وثالثا أن أميز نفسي أني شخص يقف في الوسط بين ممارس حقيقي للتصميم وبين صانع حقيقي للمحتوى المتعلق بالتصميم الغرافيكي والابتعاد عن بيع المحتوى الجاهز الذي يعيش عليه العشرات والمئات.

شكلت النقطة الثالثة منعطفا مهما في مجالي، حيث أن استخدام عبارة “الدخلاء” صار شيئا مبتذلا وهو وصف شخصياً لا أحبه فقد رأيت من اعتبرتهم مرة دخلاء ولاحقاً اكتشفت أنهم فعلا مبدعون، ولهذا أستبدلها بكلمة “النصابون” لأنها كلمة وقحة، ومن ناحية لم أعد أطيق استخدام كلمات الالهام والابداع، لقد صارت حسابات الشبكات الاجتماعية تضج بها، ولكنها لم تتوقف عندها، بل باتت تحكم عليك كمصمم استنادا إلى عدد المتابعين، وعندما تتابع من يقف وراءها لا تجد له عملا، أو تاريخا في المجال، لقد صعد نجم من يعيش بلسانه في مجال ليس مجاله، ومن دون أن يكلف الناس أنفسهم عناء معرفة حقيقة كل حساب ومن وراءه. والاحترام للقلة القليلة جدا التي استطاعت التوفيق بين الأمرين.

قد يبدو هذا تجنيا على الخلق، فمن أنت لتمنع الناس من نشر أي شيء يحبونه؟ لا يوجد دستور أو قانون عقابي، الناس أحرار في حساباتهم، قد تكون هواية صاحب الحساب التصميم، وأنت تحرمه من ممارسة هوايته، ليست المشكلة هنا بالتأكيد، لكن ماذا لو صارت هذه الهواية تهدم دراسة سنوات وعمل سنوات للبعض من يمارس فعلا هذا المجال ويكد ويبدع فيه، يجمع على هذا كل من قابلتهم من المصممين الذين بالفعل يمارسون التصميم، فهم لا يختفون وراء حساباتهم أو لا ترى لهم أي عمل سوى القليل والمتواضع. كيف يمكن للانسان أن يقبل بهذه الممارسات، أو كما يحلو لبعض الأصدقاء القول أن الأمر شطارة، واللوم يقع على المصممين الفعليين، فهم لا يلجئون إلى ممارسة التسويق واتباع نهج مشابه لما يقوم به من لا يفعلون شيئا سوى العيش على أعمال المصممين الحقيقين، هناك نماذج رائعة لمصممين يفعلون هذا لكنهم قلة جداً ولست منهم مع الأسف.

يقول مديري أن الأمر ليس مسألة شخصية، بل هو عمل مطلق، عليك أن تنافس وتزيح هذه الأمثلة الرديئة عن الساحة، ولن تقدر في كل الأحوال، فسيبقى عدد منهم، وهذه هي طبيعة العالم. جزئيا أتفق مع كلامه، لكني لا أستطيع تقبل الناحية الأخلاقية لما يحدث حالياً، لا يمكنك أن ترضى بممارسة لا أخلاقية مثل هذه، ستشعر أنك لا تفعل شيئًا، فيتحول الظلم إلى ظلمين، فتجد أن حسابا معروفا رأيه مسموع أكثر من رأي المصمم نفسه، والمتابعون لا أحد منهم يهتم بمعرفة من الذي يقف وراء الحساب؟ وما الغرض مما يفعله؟ بل لا يهتمون حتى بفتح معرض أعمال هذا المصمم ومشاهدة أعماله ومقارنتها بأعمال صحاب العمل المنتَقَد، ناهيك عن أن المنتَقَد لا ينتمي لنفس الجنسية التي يشكلها أغلبية المشاركين في سلسلة الهجوم عليه، فأي معيار الأخلاقي نشاهد هنا؟ أيضاً مسألة الاستقلالية في تكوين رأي خاص بشان أي تصميم والتسليم التام لرأي الحسابات الشهيرة.

كان هناك تشبيه لأحد الأفاضل أن الأمر يشبه نقد الأفلام، لكن هل فعلاً لدينا في العالم العربي أشخاص بالمستوى ومتفرغون للنقد الفني للتصاميم العربية؟ هل بالامكان تقبل هذه المعلومة والارتكان إلى من يمارسون النقد بأرقام متابعين فلكية، بين عشية وضحاها صاروا نقادا؟ حتى نقاد الأفلام لديهم تاريخ طويل وتكوين عظيم حتى يصبح نقدهم ذا أهمية ويستمع له صانعوا الأفلام باحترام.

تعليقان على “أن تكون حقيقيًا

  1. Ahmed Altattan

    عصام ايها الصديق العزيز.. هذه المدونة رائعة ليتها تكون اساسا للكثير!
    مشكلة ان هذا الزمن اصبح يقاس بعدد المتابعين لا بجودة المحتوى، ولا اعتقده قريبا سيؤمن بجودة المحتوى، كل ما تحتاجه قليلا من الصور العامة، الموك اب.. وكثيرا من الفراغة ولا يجب ان يكون لك حتى معرض اعمال حقيقي!

    ابدعت ايها الصديق الغالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *