أرشيف التصنيف: something happening

دانكيرك

dunkirk

في الإعلان التشويقي لفيلم دنكيرك بدا فيلمًا مختلفًا تماماً عما سبق وعهدناه من كريستوفر نولان صاحب ثلاثية Dark Knight الأشهر على الإطلاق؛ التي حولت شخصية البطل الخارق باتمان من سلاسل DC Comics الهزلية إلى واحد من أفضل الأفلام على مر التاريخ، بالإضافة إلى أفلام أيقونية أخرى كـ Inception و Interstellar وحتى Momento، والحقيقة أني انتظرت Dunkirk بشغف كبير كون السينماتوغرافيا في الإعلان كانت تبشر بشيء يغير من هذاالعام الهزيل ضمن سلسلة الأعوام الهزيلة التي تمر بها هوليوود مؤخرًا.

يتناول الفيلم حدثًا مهمًا خلال الحربة العالمية الثانية حين حاصر الألمان القوات البريطانية المهزومة في منطقة دانكيرك، وبغض النظر عن القصة نفسها التي بحسب العديد من المصادر تجاوزت الكثير من الحقائق التاريخية وصيغت بوجهة نظر بريطانية بحتة.

منذ البداية لا يلجأ الفيلم إلى الحوارات ، يركز على مشاهد تضعك ضمن أحداثه مباشرة، جنود بريطانيين في ريعان الشباب يتجولون بين المنازل منهم من يبحث عن أعقاب السجائر أو من يبحث عن الطعام داخل المنازل المهجورة، ثم يقع إطلاق رصاص كثيف من قبل الألمان عليهم من حيث لا يدرون، لن تشاهد أي جندي ألماني هنا، ولا في كل الفيلم، يركض الجنود يقع البعض ويفلت البعض الآخر، يفرون إلى حاجز رملي للفرنسيين وما أن يسمح لهم بالعبور حتى تجد نفسك قد خرجت من المدينة إلى شاطيء دانكيرك مباشرة، آلاف الجنود ينتظرون اللاشيء عند الشاطئ، تعابير البؤس والتعب عليهم والرعب المتزايد لاحقًا صار هو ما يميزها، تحدث حوارات صامتة بين عيون الجنود، أحدهم يدفن صديقه ليلبس ملابسه، تكتشف لاحقًا أنه فرنسي يسعى للفرار بجلده من ججيم دانكيرك، الجميع يسعى للفرار منها ليس فقط البرطانيين.

dunkirk

في الجانب الآخر وقبل هذه المشاهد بأيام تدور أحداث قصة أخرى في الجو، حيث الحرب بين طائرات الانجليز والألمان، حرب جوية هي الأخرى لا ترى فيها أي طيار ألماني، فقط تسمع الحوارات المقتضبة للجنود البريطانيين، لا يعطيك الفيلم الذي كتب قصته نولان نفسه أي اسم كامل لأبطال القصة، كل ما تعرفه هي أسماءهم الأولى فقط.

dunkirk

ثم يعرض عليك قصة ثالثة تقع أحداثها في توقيت زمني بين أحداث الجنود على الشاطئ وبين صراع الطائرات في الجو، أحياناً تشعر أنك تائه في تحديد التوقيت الصحيح لكل قصة، لكن مع مرور الوقت تفهم أنها كلها ستلتقي حتماً في النهاية وأنها مترابطة فيما بينها بشكل أو بآخر. القصة الثالثة تأتي من الجانب الآخر، على الشواطيء البريطانية حيث استنفر المواطنون لاستخدام قواربهم زوارقهم ويخوتهم للقيام بعملية إجلاء وانقاذ انتحارية لجلب أكثر قدر ممكن من الجنود على شواطيء دانكيرك حيث لم تستطع السفن الحربية البريطانية أن تنجو بكل محاولاتها البائسة، لكن نولان يفعل كما فعل في القصص الأخرى، يعرض هذا الجانب من زاوية قارب واحد فقط يمثل كل القوارب، قارب يقوده كهل هادئ الطباع مع شابين يقربانه، وكل سعيهم هو الوصول إلى رمال دانكيرك وحمل أكبر قدر من الجنود والعودة. أيضًا الحوارات قليلة ونادرة، يعرض لمحة لحالة الجنون التي أصابت الجنود الذين نجو من البوارج البريطانية المقصوفة بطوربيدات الغواصات الألمانية.

dunkirk

لن ترى الطوربيدات، ولا الغواصات، ولا حتى من يطلق الرصاص ولا قذائف الطائرات، كل ما ستراه عن الألمان هو صوت الرصاص الذي يخترق جدران السفن وانفجار القذائف، صوت الرصاص الذي يطيح بالطائرات البريطانية وملامح الترقب المرعوبة للجنود في انتظار الموت في أي لحظة إما من الجو البر أو البحر. الحوارات القليلة التي عوضت بالنظرات المتبادلة التي تدع لك المساحة لتملأها بأي حوار تراه مناسبًا، واستبدلت أيضًا بموسيقا هانز زيمر، الإيقاع المتوتر الذي يبدأ خافتًا ثم يعلو مع الوقت، حتى أن أكثر المشاهد صمتًا بين الممثلين تخيم عليه موسيقا هانز زيمر المتوترة. ربما تعوض أيضًا عدم وجود مشاهد للعنف والدم! فالحرب تكمن في الخوف والانتظار، ربما ليتم الحديث عن العدو الحقيقي الذي هو الحصار الترقب؟!

dunkirk

لكن على الرغم من هذا الأسلوب المختلف في سرد قصص الفيلم الثلاثة، إلا أنك مع نهايته لا تشعر بالرغبة في مشاهدته مرة أخرى، لو استثنيت الموسيقا والتصوير السينمائي بكاميرا الإيماكس والمشاهد الجوية الخرافية، كل ما يمكنك تذكره هو أن الحوارات قليلة ومشاعر الترقب والخوف، لا يصلك مضمون قوي في قصة الفيلم، حتى عندما جاءت كلمة “Hope” بدت لحظتها غير لائقة تقليدية وشيئًا ما سطحية جداً، حتى لتبدو أنها مفتعلة وتم إقحامها ضمن المشاهد لتكسر إيقاع الكلام القليل.

ربما ما سعى نولان لفعله هنا هو جذب المشاهد لعيش الحرب بشكل مغاير لم يسبق له أن عايشه بعيدًا عن جو الوطنية والتضحية كما تفعل غالبية أفلام الحرب، حيث العدو شرير، والبطل وطني مخلص ومستعد للتضحية بنفسه في سبيل قضيته، لكنك هنا ترى جنودًا خائفين يفرون بكل ما أوتي لهم من قوة من هذا الجحيم، يسعون للعودة إلى المنازل الدافئة الهانئة، ولتناول لقمة ساخنة بعيداً عن البرد والرصاص، وهذا ما أثر على الفيلم بشكل عام، لست متحمسًا لمشاهدته مرة أخرى، فقد بدا لي محاولة للجمع بين السينما التجارية وبين السينما المستقلة. مع أن هذا الرأي لا يتوافق مع الآراء التي تصفه بأهم أفلام الحرب وأن الفيلم أسطوري!

تقييمي الشخصي: 6.7/10

الإعلان التشويقي للفيلم:

التصميم فن

من بين العبارات التي حتما مرت أو ستمر عليك بشأن التصميم عموماً هي “التصميم هو حل المشاكل”، وليست المشكلة هنا لأن التصميم فعلاً عملية حل لمسائل معينة، أو هو إيجاد حلول بصرية لمسألة معينة، علبة تونة مثلا، شعار مؤسسة، أو دراجة، أو سيارة أو شكل لمحفظة للنقود مثلاً هذا إذا أردنا الخروج عن التصميم الغرافيكي.

المشكلة التي ستواجهك هي الإصرار الذي يلاحقونك به بضرورة عدم التفكير في التصميم كـ فن، أو أن التصميم ليس لوحة فنية، بالفعل التصميم ليس لوحة فنية فهناك جزء مهم في التصميم هو أن يؤدي وظيفته بالشكل اللائق ويخدم الحل الذي جاء به بالشكل الصحيح، لكن جزء كبير منه يعتمد على الفن الذي يتوفر فيك، مهارتك الفنية ورؤيتك الفنية تحددان الكثير من الحل الذي تقدمه، أحيانًا أراه توظيفا لفنك بشكل محدد وخاص. وهذا الكلام ليس من فراغ، بل يعتمد على أمر بديهي وهو ان غالبية المصممين هم أشخاص فنانون لديهم مهارات فنية وذوق فني، ولذلك لم أستوعب حتى الآن حالة السعار التي تأتي على البعض الذين يتناولون مواضيع التصميم بشراسة مجتهدين لإخراج الفن منه، مع ان الفن هو “لب” التصميم، عبارة “انت مصمم ولست فنان” تستفزني، لأنك في الحقيقة تستخدم فنك في حل المسألة العالقة بين يديك، فكيف لا يسمى فنا، صحيح أنت لا تعبر عن مشاعرك خلال التصميم، ولست حرًا ولديك مهمة لتحقيقها، لكن بالفعل جزء من مشاعرك وفنك بالتحديد في أي تصميم تنجزه، فبأي منطق يتحدث هؤلاء القوم؟

أن تكون حقيقيًا

مذ بدأت التدوين نهاية العام 2005، ومنه إلى التدوين المتخصص لم يكن من طبعي استجداء المتابعة والتعليق، وقتها كنت أنظر لها على أنها منقصة، ولم يكن من طبعي أيضاً أن أتابع من وما يحبه الناس لأكتب عنه، مع قليل من “الكبر والتكبر” بداخلي – كما يتم وصفي – بقيت أكتب فقط ما أود الكتابة عنه، ومع انتشار المدونة فجأة ودون تخطيط أو توقع كانت تأخذني أحيانا حالة الزهو بهذا الإنجاز لكني كنت أعلم أن الزهو والكبر بهذه الأمور خطأ، هناك شيء يخبرني أن الشيء الجيد سيبقى وسيثبت نفسه، لكن مع الانترنت هذه القاعدة تثبت نفسها بعد عناء طويل طويل جدًا. تزامنت مدونتي مع بدء تخصصي في الفنون البصرية والعمل شيئاً فشيئاً على مشاريع هنا وهناك صرت أعلم أن التسويق ونشر الأعمال شيء مهم، جاءت بعدها مدونة شعارات التي فتحت لي بابًا مهماً في مساري المهني متزامنة أيضاً مع تخرجي من الفنون بتخصص في الاتصال البصري، لكني كنت صادقاً جداً بشأن المدونة، كانت وسيلة أتعلم منها وأنشر ما أتعلمه، حتى أني وضعت عبارة “مدونة مهتمة” وحذفت عبارة متخصصة لأن التخصص شيء ضخم فعلاً، وركزت على نشر ما أراه مهما ومفيداً، ثم جاءت شبكات التواصل الاجتماعي ليزداد الاهتمام بالتصميم الجرافيكي أكثر ويزداد الوعي بأهميته في حياة الناس.

مع شبكات التواصل الاجتماعي، بدأ يصعد نجم “الإلهام والإستلهام” في مجال التصميم، وهذا ببساطة عبارة عن أن المستخدم يقوم بنشر روابط أو صور فنية متنوعة كالصور والتصاميم والفيديوهات أو حتى مقالات، ولفترة معينة كان هذا الأمر مقبولاً، لأن هذا هو أساس شبكات التواصل الاجتماعي “المشاركة”، لكن المسألة توسعت ليصبح هذا النظام هو السائد، صار ولعا لدى الناس متابعة الحسابات التي تنشر أعمالاً فنية لآناس أخرين، وفي ظرف وقت قياسي صارت تلك الحسابات تعج بالمتابعين، وصار كذلك العملاء يبحثون عنهم، في الحقيقة حاولت أن أقوم بهذا الأمر لأني بحاجة لتسويق أعمالي وتوضيح تخصصي المهني، لكن الاشكالية هي نفسها الاشكالية السابقة، المركزية المشرقية، يصعب عليك المنافسة في وسط ليس وسطك أولاً، جنسيتك ستكون هي بطاقة تعريفك في كل مكان، وكوني قد رفعت يدي عن دعم بني جنسي ومن سنوات طويلة جداً، وأتوقع أن ألقى سبابا واهانات واعتراضا من قبلهم على كلامي هذا، لكني فعلا لم أعد أكترث، وأعترف أني حاولت اللجوء إلى تطبيق نفس الفكرة أن يكون حسابي معتمداً على نشر أعمال الغير والافتاء في كل شيء في عالم التصميم والفنون، لكني فشلت، ليس بسبب أن الأمر صعب، لا بل هو سهل جداً، فما أسهل أن تقتات على أعمال الغير وعلى إعادة نشر ما تنشره مواقع التصميم! كل ما تحتاجه هو مصادر معينة وجدول زمني محدد لكل شهر للنشر وأسلوب تفاعل معين مع المتابعين، لكني توقفت وفشلت، أولا لأنك تسأل نفسك بعد فترة ما الذي تفعله؟ أنت لا تصنع المحتوى، بل تعيش على محتوى الآخرين ووجدتني لا أريد المواصلة في نفس الفعل. وثانيا فشلت لأن الرقعة الجغرافية التي ليس لي غيرها لكي أعمل لا تكترث لي كوني مختلف وأنتمي لرقعة جغرافية أخرى كذلك لا تكترث لي أيضاً ومجالي فيها ليس فيه مستقبل.

حتى الآن فإن تركيزي مايزال على ثلاث نقاط أساسية، أولا الاستمرار في العمل والانتاج وعرض أعمالي، ثانيا التعلم المتواصل بين التصميم وبين المهارات الإدارية لمشاريع التصميم، وثالثا أن أميز نفسي أني شخص يقف في الوسط بين ممارس حقيقي للتصميم وبين صانع حقيقي للمحتوى المتعلق بالتصميم الغرافيكي والابتعاد عن بيع المحتوى الجاهز الذي يعيش عليه العشرات والمئات.

شكلت النقطة الثالثة منعطفا مهما في مجالي، حيث أن استخدام عبارة “الدخلاء” صار شيئا مبتذلا وهو وصف شخصياً لا أحبه فقد رأيت من اعتبرتهم مرة دخلاء ولاحقاً اكتشفت أنهم فعلا مبدعون، ولهذا أستبدلها بكلمة “النصابون” لأنها كلمة وقحة، ومن ناحية لم أعد أطيق استخدام كلمات الالهام والابداع، لقد صارت حسابات الشبكات الاجتماعية تضج بها، ولكنها لم تتوقف عندها، بل باتت تحكم عليك كمصمم استنادا إلى عدد المتابعين، وعندما تتابع من يقف وراءها لا تجد له عملا، أو تاريخا في المجال، لقد صعد نجم من يعيش بلسانه في مجال ليس مجاله، ومن دون أن يكلف الناس أنفسهم عناء معرفة حقيقة كل حساب ومن وراءه. والاحترام للقلة القليلة جدا التي استطاعت التوفيق بين الأمرين.

قد يبدو هذا تجنيا على الخلق، فمن أنت لتمنع الناس من نشر أي شيء يحبونه؟ لا يوجد دستور أو قانون عقابي، الناس أحرار في حساباتهم، قد تكون هواية صاحب الحساب التصميم، وأنت تحرمه من ممارسة هوايته، ليست المشكلة هنا بالتأكيد، لكن ماذا لو صارت هذه الهواية تهدم دراسة سنوات وعمل سنوات للبعض من يمارس فعلا هذا المجال ويكد ويبدع فيه، يجمع على هذا كل من قابلتهم من المصممين الذين بالفعل يمارسون التصميم، فهم لا يختفون وراء حساباتهم أو لا ترى لهم أي عمل سوى القليل والمتواضع. كيف يمكن للانسان أن يقبل بهذه الممارسات، أو كما يحلو لبعض الأصدقاء القول أن الأمر شطارة، واللوم يقع على المصممين الفعليين، فهم لا يلجئون إلى ممارسة التسويق واتباع نهج مشابه لما يقوم به من لا يفعلون شيئا سوى العيش على أعمال المصممين الحقيقين، هناك نماذج رائعة لمصممين يفعلون هذا لكنهم قلة جداً ولست منهم مع الأسف.

يقول مديري أن الأمر ليس مسألة شخصية، بل هو عمل مطلق، عليك أن تنافس وتزيح هذه الأمثلة الرديئة عن الساحة، ولن تقدر في كل الأحوال، فسيبقى عدد منهم، وهذه هي طبيعة العالم. جزئيا أتفق مع كلامه، لكني لا أستطيع تقبل الناحية الأخلاقية لما يحدث حالياً، لا يمكنك أن ترضى بممارسة لا أخلاقية مثل هذه، ستشعر أنك لا تفعل شيئًا، فيتحول الظلم إلى ظلمين، فتجد أن حسابا معروفا رأيه مسموع أكثر من رأي المصمم نفسه، والمتابعون لا أحد منهم يهتم بمعرفة من الذي يقف وراء الحساب؟ وما الغرض مما يفعله؟ بل لا يهتمون حتى بفتح معرض أعمال هذا المصمم ومشاهدة أعماله ومقارنتها بأعمال صحاب العمل المنتَقَد، ناهيك عن أن المنتَقَد لا ينتمي لنفس الجنسية التي يشكلها أغلبية المشاركين في سلسلة الهجوم عليه، فأي معيار الأخلاقي نشاهد هنا؟ أيضاً مسألة الاستقلالية في تكوين رأي خاص بشان أي تصميم والتسليم التام لرأي الحسابات الشهيرة.

كان هناك تشبيه لأحد الأفاضل أن الأمر يشبه نقد الأفلام، لكن هل فعلاً لدينا في العالم العربي أشخاص بالمستوى ومتفرغون للنقد الفني للتصاميم العربية؟ هل بالامكان تقبل هذه المعلومة والارتكان إلى من يمارسون النقد بأرقام متابعين فلكية، بين عشية وضحاها صاروا نقادا؟ حتى نقاد الأفلام لديهم تاريخ طويل وتكوين عظيم حتى يصبح نقدهم ذا أهمية ويستمع له صانعوا الأفلام باحترام.

قولبة المصممين

القصة كما كل مرة أكتب عنها، بدايتي كانت مع الرسم، قبل دراستي للفنون كنت قد تعرفت على برامج معالجة الصور وتحرير النصوص الفوتوشوب والكوارك اكسبرس كانا أحدها، كانت البرامج كثيرة، وبدأت بانجاز بعض المشاريع الصغيرة الشخصية والمشتركة مع بعض الأصدقاء، وخلال دراستي للفنون بدأت أتعلم أشياء أخرى مختلفة، بين الرسم الزيتي والزخرفة والتصميم الداخلي، لكني وبين السنة الثانية والثالثة كنت قد قررت التخصص في الاتصال البصري، والذي تم تلخيصه لاحقا في التصميم الغرافيكي كوصف عام لمن يختارون هذا التخصص. لكن ما تتعلمه هنا أنك من التخصصات التي تستطيع الأخذ من كل التخصصات الأخرى وتوظيفها بحسب كل مشروع ومتطلباته! ما يسمح لك بالتنوع ولا يضعك في قالب واحد، وما تتعلمه أيضاً أن أدواتك كذلك غير ثابتة فالموضوع وطبيعة المشروع هما ما يحدد الأدوات اللازمة للتصميم، ما يعني أن كل ما لديك في الحقيقة كمصمم هو جودة أفكارك وتنفيذك والأساس التعليمي الذي أخدته في دراستك. ربما لهذا السبب يقول أوتل أيشر المصمم الألماني الشهير أن التصميم من المهن القليلة التي لا تحدد مستواك فيها بشهادة جامعية وأن المصمم هو مصمم وكفى بحسب جدوة ما يقدمه.

خذ أمثلة كثيرة يمكن القياس عليها، مثلاً فن الخط العربي الآن يشهد ثورة كبيرة وربما هو في طريقه ليعيش عصرًا ذهبيًا جديدًا، وما ساعده على ذلك شبكات التواصل بمشاركة الخطاطين لأعمالهم وتفاعلهم مع الجمهور، وتداخله السابق مع الفنون التشكيلية وحالياً مع التصميم الجرافيكي والذي سمح بزيادة الطلب على أعمال أصلية من أصحاب الأعمال سواء لهويات مؤسساتهم أو للوائح محلاتهم أو من الشركات العالمية التي تود أن تتماشى مع الثقافة العربية في ظهورها، إلا أن التنفيذ الآن يختلف من خطاط لآخر، فبعضهم يفضل العمل على الورق مباشرة، والآخرون على البرامج والتطبيقات لسهولة رقمنة العمل لضمان الجودة، والبعض الآخر يقوم بالاثنين معًا، لكن العملية ليس مقننة، فالحكم في النهاية هي النتيجة، وطريقة التنفيذ التي ليست بالضرورة هي نفسها.

مثلاً من بين الأعمال التي نقوم بها أيضًا هي الرسم واستخدام هذه الرسومات بطريقة الكولاج وهي من الطرق الشائعة سابقًا بين المصممين مثل لانجاز تصميم ما أو لوحة جرافيكية معينة، وبعض هذه الأعمال يكون حرفياً 80 بالمائة منها عمل يدوي حر لا دخل لأجهزة الحاسب فيها سوى لضبطها وتجهيزها للطباعة أو لبعض الرتوش الصغيرة وإضافة نصوص. مؤخراً عملنا على هوية لمطعم أكلات سريعة اعتمدت أغلبها على الحبر على الورق وطريقة مسحه على السكانر وفقط.

لماذا أسرد هذه الأمثلة؟ لأنني أود الحديث عن القضية الأساسية، تخيل أنك لن تصير مصممًا لأنك لا تملك المال لاقتناء الجهاز الذي صارت تطبيقات التصميم فقط عليه، لأن سعره خرافي جداً؟ لأن مجتمع التصميم يصر على دفع المطورين لتطوير تطبيقات التصميم فقط لهذا الجهاز بحجة أن التطوير عليه – بحسب زعمهم – أسهل وأسرع!! هل كنت لأصبح ما أنا عليه لو انتظرت الحصول على جهاز “ماك” قديم بأربع سنوات بمواصفات عادية؟ أعلم يقينا أنه لولا الخلطة التي وفرها بيل جيتس لما كان ثلاثة أرباعنا هنا، هذا ما أتاحه لنا، التنوع والسهولة والمنافسة والأسعار التي بقليل من الجهد يمكن توفيرها. ناهيك عن أن لا أحد يبحث عن الوسيلة التي تصمم بها، بل يسأل عما صممت وعن معرض أعمالك، وليس النظام الذي تعمل به. ليس دفاعاً عن الويندوز فله عيوبه أيضاً، لكن تخيل أن لا أحد يعتبرك فنانًا تشكيليًا لأنك لا تستخدم ورق Canson وألوان Pébéo؟! مهزلة حقيقية. دارسو الفنون مثلاً يعلمون أن هناك أدوات عامة للتعلم ولتنفيذ اللوحات، لكن في النهاية كل فنان يطور أسلوبه وأدواته الخاصة في تنفيذ لوحاته.

والفقرة السابقة تتحدث عن مشكلة فرعية لمشكلة أكبر وهي الابتعاد عن الفكرة الأساسية والمستوى الذي تقدمه كمصمم، فلا بأس أن كان ما تقدمه عملاً متواضعًا أو سيئًا طالما تستخدم ما يصفونه بـ”الأدوات الصحيحة”، المشكلة التي نتحدث عنها هنا هي تدّخل صناعة البرامج في توجيه وقولبة مجال معين والذي يعتبر من أكثر المجالات مرونة وتنوعاً. وبعدما كان التصنيف في السابق يعتمد على ما أضافه المصممون من تجارب جديدة إلى بماذا يعمل المصممون! لقد مرت فترة طويلة لم أعد أشعر فيها أننا كمصممين نهتم بما نضيفه بقدر اهتمامنا بـ مالذي نعمل به وكيف؟ ومن ثم نصنف أنفسنا!! والشركات لا تتورع على دفع المصممين لهذا من أجل الاستحواذ والإبقاء على قاعدة مستخدمين أكبر والانتفاع منهم، فمثلاً لا أحد يفهم لماذا لا توجد نسخة للماك من برنامج ثري دي ماكس؟ لماذا توفر الشركة فقط نسخة للويندوز/ميكروسوفت دونًا عن بقية الأنظمة؟ وفي المقابل لماذا لا يوفر مطور برنامج جليفس لتصميم الخطوط نسخة للويندوز والاكتفاء بنسخة للماك ومعها عبارة مستفزة تقول أن تصميم الخطوط هو شيء يخص الماك فقط!! مع أن قاعدة مستخدمي الويندوز أكبر بكثير؛ أكثر من 90% من المستخدمين لديهم ويندوز!.

هناك من يقول أن الأمر متعلق بصعوبة تطوير البرامج على تلك الأنظمة وتحديثها، وهذا الكلام يعتبر هراءً مطلقًا، ومع عدم منطقية هذا القول في وقتنا الحالي، لدي أصدقاء مطورون وجميعهم يتفقون أن تطوير البرامج في أي نظام هو أمر ممكن جداً ولا يوجد تفسير لانعدامه سوى تغلغل القسم المالي وسياسة الاستحواذ في تطوير البرنامج فقط لبيئات معينة، كما أن هناك من يمدح نظامًا ضد نظام آخر، وشخصياً أعمل على البيئتين الماك والويندوز وليست لدي أي اشكالية، وتفضيلي للويندوز أكثر منه للماك. هذا بالنسبة للأنظمة، أما البرامج فهي حكاية أخرى، كنت في السابق أرى عربًا من الخليج العربي ينتقدون من يستخدمون برامج مقرصنة لشركة أدوبي العظيمة والجشعة كذلك، يهملون معها قابلية الوصول التي تختلف من بلد لآخر، كما أن برامجها كانت غالية جدًا يستحيل علي الحصول عليها في تلك المدينة الصغيرة في الجزائر، لقد أخذني وقت طويل حتى استوعب أنها لم تكن البرامج الوحيدة، هناك غيرها الكثير! ربما النهاية التي آلت لها شركة أدوبي باعتبار برامجها هي السبيل الوحيد للتصميم هي نفس النتيجة التي سنصل لها مع نظام الماك في المستقبل مع تطبيقات لا تحملها وانما تستأجرها ولا تملك الحق في امتلاكها، ومعها لكي تصير مصممًا عليك أن تكون من علية القوم وأغنياءهم لتحصل على “الأدوات الصحيحة” للتصميم.

لذلك ما يهمني هنا هو كرهي لعملية القولبة التي تتم على قدم وساق للمصممين لاستخدام أدوات معينة واعتبارها هي السبيل الوحيد للتصميم، ما يهمني هو أن ينتبه المصممون إلى أن النتيجة هي الحكم الأول والأخير على الأعمال، لا الأدوات، لا أحد يستطيع تخيل دهشتي وإحباطي واستهزائي في نفس الوقت من كل مصمم أو عميل يعتبر أن بيئة الماك هي بيئة التصميم، فقد أثبت أنها ليست البيئة الوحيدة، ربما كانت في فترة معينة لكنها ليست الوحيدة، وأن هذا التفكير المغلوط يجب أن يتوقف، تقنيًا وصلنا إلى مستوى لا يهم فيه التقنية التي تستخدمها، أُحكم على المصمم من خلال عمله وفقط.. لحظة.. لا تحكم عليه من الأساس.

الانترنت والمحتوى

هل تذكر مكتبة المدرسة التي تضج بالكتب ولا تجد أحدًا مهتماً بها إلا حين يحين موعد البحث في حصة العلوم، ورغم ذلك يستخدم الجميع كتابا واحدا فقط دون بقية الكتب لأجل بحثهم؟ هل تذكر كل تلك الكتب في صالون منزلكم، تلك الكتب التي تعرف عناوين بعضها وأجلت مطالعتها وحين جاء اليوم المنشود وجدتهم قد تخلصوا منها لكي يفسحوا مكانا لطقم الكؤوس الجديدة بهية المنظر؟ هل تذكر تلك الهالة التي تتعلق بالكتب ومحتوياتها التي تتطلب أشخاصا معينين فقط لقراءتها؟ حيث لا ترى في نفسك الشخص المناسب لذلك؟ وعندما تمر بجانبها تقرر في لاوعيك أنك غير معني بها وأن مطالعتها مسؤولية شخص آخر؟ هل تذكر تلك اللحظة التي قررت فيها مطالعة كتاب ظننته مفيدا وممتعا ثم قررت حينها أن فيلم السهرة قد لا يتكرر وأن الكتاب متوفر ولن يهرب، لكنك لم تعد له مجددا وبقي الكتاب أسفل سريرك إلى أن وجدته يوما مبتلا بفعل مياه التنظيف اليومي في منزلكم؟ هل تذكر موضوع الانشاء الذي كتبته يوما في حصة العربية وظننت أن معلمك وزملاءك سيكترثون بلغتك وحجم المعلومات المختلفة التي جئت بها؟ يالخيبتك.

هل تذكر يوم كانت تبشر الانترنت بعصر جديد من المعرفة المفتوحة حيث كل المعارف متاحة والجميع يدخلون لتحصيلها؟ حسن أنت تعلم كيف صار حالها الآن؟ ربما هي أسوء حالا عن الكتب والمجلات لا نقول المعرفية فقط، بل والعامة أيضا. هل تذكر يوم جاءت عبارة “المحتوى هو الملك”؟ مع انطلاق المدونات، وبدء المدونين والمواقع في الاهتمام بالمحتوى الذي سيجعل القارئ يعود حتما ويقدر جهدك والمعرفة التي تضيفها وأن الانترنت مكان مختلف عن العالم الواقعي الذي لا أحد فيه يهتم بالمحتوى سوى الدارسين والمتخصصين؟ تعرف أن الأمر حينها جاء كرمشة عين، فالمحتوى الذي يتم تقديره الآن هو صور ال gif لمجموعة من القطط التي تلاعب بعضها، المحتوى الذي يتم تقديره وتقديمه عن غيره هي صور الفاشينيستا ومؤخرة فتاة تبذل جهدها للحصول على معلنين على حساباتها في شبكات التواصل.

متى راجعت روابط المقالات في مجالك والتي قررت حفظها في مفضلة المتصفح لقراءتها لكي تستفيد منها ثم قررت أن مشاهدة برامج اليوتيوب وسيلة ترفيه أولى، ثم تذكرت الروابط بعدها بسنة كاملة وقررت حذفها لتريح ضميرك، ثم أعجبتك بعدها تلك الفيديوهات القصيرة المسروقة التي تلخص وثائقيا أو حدثا مهما أو خبرا علميا مع بعض الجمل باللون الأصفر كما تفعل AJ+، ألا يبدوا لك هذا شبيها بحالة الكتاب الذي تركته لأجل فيلم السهرة؟ هل انتبهت الى عدد المتابعين في حسابك على تويتر والذي نقص عشرة متابعين يوم شاركت مقالا وجدته مفيدا في مجالك، وقلت أن متابعيك الذين هم من نفس المجال سيسعدون بمطالعة شيء مفيد؟ لماذا أثقلت عليهم؟.

تعلم أن الانترنت صارت وسيلة ترفيه، تعلم جيداً أنها مهرب الناس للتسلية، تعلم هذا لأنها أيضا وسيلتك للترفيه كذلك، لكنك ترى كيف غير يوتيوب وشبكة نتفليكس وحتى OSN من معالم التلفزيون، وصار الترفيه عند الطلب، لم يعد التلفاز منفصلا عن الانترنت، بل صار داخلها، اندمج الترفيه المرئي مع الانترنت ليكاد يكون هو أهم شيء فيها، انتعش سوق الفيديوهات القصيرة، لم تعد الناس تود قراءة مقالاتك الطويلة، تريد مشاهدة فيديو من 30 ثانية تلخص لها فيها فكرتك ولتدعها وشأنها بسلام، بالمناسبة، الفيديو الذي ستنتجه لهم أيضاً يحتاج منك تسويقًا محترمًا على الانترنت لكي يصل إلى ثلاثة أو أربعة أشخاص، تجد أن مواقع تقدم محتوى جيدا انهارت أخيرًا وقررت اللجوء لأسلوب الصحافة الصفراء في صياغة عناوين مستفزة وكاذبة لتجبر القارئ على الانتباه إلى أهمية المحتوى الذي تقدمه له.

أيضاً تعلم أن المحتوى يسهل اقتباسه وسرقته كذلك، تأسف لتدوينة جلست على كتابتها أسبوعًا كاملاً لتجد من فككها ونشرها على هيئة تغريدات متتالية باسمه، دون الإشارة إلى مصدرها، تفكر ما الغاية من نشرها تلك الطريقة طالما كان بامكانه وضع رابط التدوينة الشاملة التي لن تأخذ خمس دقائق لانهاءها والاستفادة منها؟ تفكر في جدوى ما تفعله، وهل يستحق المحتوى العناء؟ تعلم أن لا أحد يكترث لما تكتبه ومستواه طالما أنك تنتمي لجنسية بلاد أخرى، فلا أحد سيأخذ محتواك على محمل الجد طالما أنهم يرون في بني جنسهم وإن كانوا لا يفعلون شيئاً سوى الافتخار بشهاداتهم ولا يضيفون شيئًا؟

لست ممن يؤمنون بحمل القضايا على أكتافهم، ولست ترى في محتوى الانترنت قضيتك الأساسية والمعركة التي يجب خوضها، لكنك رأيت يومًا كيف كانت الانترنت قطعة من المحتوى الذي لا ينضب وهو الآمر الناهي، رأيت للحظة كيف أن البشر سيقفزون خطوات عملاقة في اتجاه التغيير، أما الآن فكل ما تراه هو كيف حطمت الشركات الانترنت وجعلته نسخة مطابقة للواقع حيث كل حركة تتم ببطاقة البنك، حيث الجميع منغلقون داخل حساباتهم وصفحاتهم، كنت رأيت في السابق كيف يغير الأشخاص العالم من خلال محتواهم، والآن تراهم يتراجعون الواحد بعد الآخر، لنعود مجدداً لحياة واقعية آخرى ولكن أمام شاشاتنا.

انقسام

تنويه؛ هناك حرق لبعض الأحداث.

في عودة ملحوظة ومفاجئة للمخرج ام نايت شيامالان الذي عاني لسنوات ماضية من تخبط في تقديم أفلام ناجحة بعدما كانت مسيرته في أوجها في نهاية التسيعنات وبعدها بأفلام مثل الحاسة السادسة ورموز إلى الحدوث، يعود بفيلم سبليت – انقسام – الذي يضرب من جديد على وتر أفلام الرعب النفسية الغير متوقعة، أو لنقل المتوقعة ولكن التي لا تفقد بريق امتاعها للمشاهد وابهاره بكل مشهد، وحتى النهاية التي هي ذروة الامتاع والجلوس على حافة المقعد من التشويق والاثارة والرعب.

Split Movie

لماذا نقول عنه فيلم رعب متوقع؟ حسنا بكل بساطة الفيلم ذو نهاية متوقعة جداً، وحتى حبكته/قصته تقف على توليفة معينة ومألوفة في أفلام الرعب. وهي الاعتماد على معلومة علمية أو نفسية بسيطة وبناء الفيلم كله حولها، البناء هنا يبقى بنفس طريقة أفلام الرعب كلها، بداية غامضة، اظهار البطل البريء، توضيح معالم الشخصية الشريرة ببطء، والشخصيات الثانوية التي على الأغلب ستتحول لاحقا إلى ضحايا.

يتناول الفيلم معلومة نفسية تقول أن هناك ما نسبته 1 إلى 3 بالمائة من البشر يعانون من اضطراب الشخصية الانفصامية، حيث يتمكنون من بناء عدة شخصيات داخلهم بسبب أحداث حياتية تسببت لهم بألم نفسي كبير ما يجعلهم يبحثون عن مخرج لها باختلاق شخصيات جديدة داخلهم، المثير أن هذه الشخصيات الجديدة – بحسب الفيلم – تتمكن من خلق بعد فيزيائي جديد لها، كأن يتمكن مريض مُقعد بابتكار شخصية جديدة تتجاوز البعد الفيزيائي ليسير على قدميه من جديد!

الشخصية التي يتناولها الكاتب/المخرج هنا هي “كيفين“؛ فتى تعرض للتعذيب النفسي والتربية القاسية أدى لأن يبتكر لنفسه 23 شخصية مع الوقت لتحميه من واقع تلك التجارب، بين شخصية “باري” مصمم الأزياء الشغوف والمهذب، إلى شخصية “هيدويغ” الطفل الصغير البريء واللماح، إلى “دينيس” الرجل القوي المهووس بالنظافة والترتيب، إلى “السيدة باتريشيا” الصارمة والمنظمة.

Split Movie

مع ذلك تمت رعاية كيفين والعناية به من قبل دكتورة نفسية تفهم كل الشخصيات، إلا أن الأمور تتحول فجأة في حادثة لا نراها ولكن تأتي ضمن حوار بين المريض وطبيبته، حين يتعرض لإساءة من قبل شابتين وهو ما يخل بكل محاولات إصلاح نفسه، فتتصارع شخصياته لحمايته ما يجعله يبتكر شخصية جديدة أو الشخصية الرابعة والعشرون والتي وصفها بالوحش والتي لديها بعد فيزيائي خارق تتحمل معه كل الآلام الجسدية ولا تؤثر فيها، وفي انتظار إطلاق تلك الشخصية تقرر الشخصيات الأساسية دينيس وباتريشيا اختطاف فتاتين وتقديمها إلى الوحش في يوم ظهوره للعلن، إلا أنه يختطف بالخطأ ثلاث فتيات واحدة منهم هي بالتأكيد بطلتنا في القصة والتي لديها ماض لا يختلف كثيرًا عن ماضيه.

Split Movie

ترى شخصيات كيفين أن الشابتين لم تريا في حياتهما أي أذى، ولم يمسهما أي سوء، حياتهما مثالية، ولذلك لا يحق لهما العيش، وأن الحياة فقط للنقيين الذي جربوا معنى الحياة وآلامها، تماماً مثلما تعرضت له البطلة كايسي التي اغتصبها عمها وهي صغيرة بعد وفاة والدها، وعذبها بإطفاء السجائر في جسمها، وهي المعلومة التي لم تدركها شخصيات كيفن إلا لاحقًا.

قصة الفيلم البسيطة تلك، اعتمدت بشكل كلي على الأداء المبهر لجيمس ماكفوي في أداء ستة شخصيات مختلفة أحيانا في آن واحد، حيث سيطر آداوءه على كل مشهد، لن أستغرب لو رشح بسببها إلى جوائز الأوسكار القادمة، ولو أن هذا النوع من التمثيل قد تم تقديمه من قبل، في دور الدكتورة كارين فليتشر التي من خلالها تستوعب الحالة المرضية لكيفن، أدته الممثلة بيتي بكلي باقتدار وبكاريزما رائعة، كما أنها أدت ببراعة تلك اللحظة التي تدرك فيها الدكتورة حجم تورطها وجهلها بالعواقب التي ستلحق بها. كذلك لعبت آنيا تايلور جوي دور الفتاة الذكية التي تتذكر كل تاريخيها المؤلم مع عمها، وبحوارات قليلة، لكن تاريخها مع أفلام الرعب كبير لذلك لن تستغرب أداءها، وتركيز المخرج على إظهار تعابير وجهها التائهة وفي نفس الوقت تتحلى بقدر من الشجاعة لإنقاذ نفسها.

Split Movie

ومع أن شيامالان لم يلجأ إلى الإبهار في تصوير المشاهد وترك الأمور بسيطة جداً، بعض الظلال هنا وهناك ومشاهد مظلمة وغير واضحة وكأنها العالم الذي تعيشه في شخصيات كيفن الغامضة، إلا أنه ركز على وجوه الشخصيات بلقطات مقربة في أحيان كثيرة عن تصويرهم بشكل كامل، بالخصوص مع شخصيات كيفين الداخلية حيث كان التركيز كبيرًا على إظاهر تعابيرها؛ أحياناً لا ترى سوى من العين إلى الفم الذي يتحدث، وحتى عند الإنتقال من شخصية لأخرى، أيضا لا يمكنك سوى أن تلاحظ محاولة شيامالان في تقديم الفيلم وكأنه إحدى التجارب لمشاريع التخرج الأكاديمية، البداية الغرافيكية للفيلم كانت بديعة جداً. يلاحظ أن الموسيقى التصويرية التي قدمها ويست ديلان لن تتذكرها بالتأكيد، لكنها أدت دورها ببراعة في جعلك تتفاعل مع كل مشهد بالشكل الصحيح.

يبقى الفيلم بشكل مجمل من أفلام الرعب المعروفة الحبكة مسبقاً، والمتوقعة، ولكنها نجحت في توفير التمثيل العالي مع عنصر الترفيه والإثارة، وأحياناً الكوميديا في مزيج يحسب لشيامالان قدرته على تقديمه مع الحفاظ على تركيز المشاهد على الأحداث والاندماج معها لحظة بلحظة دون ملل أو إثارة زائدة عن حدها.

تقييمي الشخصي:
7.3/10

الإعلان التشويقي للفيلم:

شيف، الشغف بالطعام والحياة

Chef Movie

حتى الآن لا أفهم السبب الذي جعلني لا أنتبه لفيلم Chef للممثل والمخرج جون فافرو، فهو ينتمي بالضبط لنوعية الأفلام التي أحب مشاهدتها عندما أود مشاهدة فيلم لا يثقل كاهلي بالعمق النفسي والأفكار الكثيرة والحوارات العميقة ولكن في نفس الوقت يحترمني كمشاهد ويقدم شيئاً محترما وبحرفية سنمائية عالية. أحب وصفها بالأفلام الدرامية الخفيفة على الروح، مثل فيلم Miss Little Sunshine أو فيلم Sideways، وإن كان الأخير هو فيلمي المفضل على مر الأيام وبه عمق نفسي بعكس فيلم Chef الذي لا يغوص كثيرا في نفس شخصياته، بل يعطيك فقط ما يجعلك تتفاعل معها بالشكل المناسب.

الفيلم يعرض قصة شيف أو رئيس طهاة يدعى كارل، شغوف بالطبخ والطعام يعاني من ناحيتين، الأولى أنه مطّلق ولديه إبن في العاشرة يحاول جاهدا ليوطد علاقته به، كما أنه يرفض اقتراح طليقته الثرية بأن تستثمر له ليفتح شاحنة طعام متنقلة ويترك عنه المطعم، والناحية الثانية يعاني من ركود مكان عمله من التجديد والابتكار، ويصطدم بصاحب المطعم الذي يصر على تقديم نفس قائمة الطعام طوال خمس أعوام؛ وهو ما أثر على سمعته كـ “شيف”، وجعله عرضة لنقاد الطعام وجمهورهم، خاصة وأن النقد هذه المرة لم يعد على صفحات المجلات، بل صار على شبكات التواصل Social Media، وبسبب جهله في استخدام تطبيق تويتر يتسبب أكثر بإهانة نفسه وتحطيم سمعته المهنية.

قام جون بتأليف قصة الفيلم واخراجها ولعب دور البطل أيضاً، وهو بالمناسبة مخرج فيلم ايرون مان بجزئيه الأول والثاني، وقد أخرج مؤخرا فيلم كتاب الأدغال – ماوكلي – بشكل بديع جدا، لذا يبدو غريبا أن يخرج أفلاما من هذه النوعية، لكن مع تقدم الأحداث في فيلم Chef يظهر شغفا واضحًا لدى فافرو بالطعام والطبخ، حيث يقوم بالطبخ بنفسه، وفي جل مشاهد الطبخ تشاهده وهو يقطع اللحوم والخضروات ويعد السندويتشات بلهفة وشغف، حتى ليصبح الفيلم وكأنه مخصص لمتعة جون فافرو الخاصة.

قصة الفيلم بسيطة جداً، مليئة بالبهجة وببعض اللحظات المؤلمة التي تتلخص في الإيذاء النفسي التي تعرض له كارل ببراءته وشغفه حين لا يهتم الجمهور به ويستغلون منصة جديدة عليه لا يعرف كيف يتعامل معها ليهاجموه دون أن يكلف أحد نفسه عناء الاطلاع على الأوضاع الحقيقية داخل المطعم أو يعرف المستوى الحقيقي لدى الشيف.

في الجانب المبهج والذي يركز الفيلم عليه كثيراً، نجد الكثير من مشاهد الطبخ وتناول الطعام، مليئة بالحياة والألوان، كما أنها تزداد بهجة مع بدء تغير العلاقة بين كارل وابنه، تلك الرحلة التي يبدءها كارل راضخا لإصرار طليقته على مساعدته في شاحنة الطعام المتنقل بعد أن تتحطم سمعته وحياته المهنية، فيبدأ في استكشاف الأطعمة والوصفات الكوبية الجديدة التي نرى فيها روح الرقص والاستمتاع بالحياة، فنشاهد قصة الفيلم تسير بين الحياة المهنية لكارل، وبين علاقته بابنه الغاضب، وكذلك علاقته بالشبكات الاجتماعية في نهاية المطاف، لكن ما يعيب هذا الجزء من الفيلم أنه تقريباً لا توجد به أحداث تذكر، وكأن الأحداث الرئيسية وقعت في النصف الأول فقط، والآن حان موعد الطبخ والجولات حول المدن بالشاحنة، ما يشعرك أحيانًا أن المخرج يحاول مطّ وقت الفيلم قدر المستطاع.

كذلك لا يحاول الفيلم اخفاء عيوب الشيف كارل، فهو يظهره دوماً عنيدًا طفوليا وأحياناً ساذجًا وطيب القلب، فهو هجومي جداً ضد كل من ينتقد وصفاته أو مستواه، لكنه في نفس الوقت يتساهل جداً مع فريقه في المطعم ويتفهم جيداً قرارهم في عدم الانضمام إليه حين انسحب من عمله، لكن الأمل يأتيه في مساعد مخلص وهو مساعده مارتن – لعب دوره جون ليجويزامو – لا يمانع أبداً خوض مغامرة جديدة لتجربة شيء جديد، لتنطلق الرحلة شاملة كارل وابنه مع صديق محترف يؤمن به، وفي نفس الوقت يقودنا نحو أهمية شبكات التواصل التي تمكن الناس من بدء مشروعاتهم الخاصة والتسويق لنفسهم دون الحاجة للرجوع إلى الأسلوب التقليدي الذي يعتمد على العلاقات والتمويل الضخم.

إذا أحببت أن أرفع من روحي المعنوية، فحتمًا سيكون فيلم Chef من أولى خياراتي.

تقييمي 7.2/10

إعادة العمل

ReWork

فيما يلي بعض الحديث الذي أعجبني وجذبني من محتوى كتاب Rework الذي أصدرته شركة 37 إشارة (37signals) الشهيرة بتطبيق Basecamp وإبتكارها للغة Ruby on Rails البرمجية ومكتبتها، الكتاب يتحدث ليس فقط بشكل ثوري عن بيئة العمل، بل عن أمور كثيرة تتعلق بالشركات وأسلوب عملها ككل، لكن شخصياً ما كان يهمني هنا هو أسلوب العمل الداخلي. وهذا لا يعني أني أستطيع تنفيذ كل شيء.

– إبدأ شيئا، لا تنتظر حتى تتوفر لك الظروف حتى تتعلم كيف تنتج شيئاً ما، المخرج الشهير ستانلي كوبريك قدمها كنصيحة خاصة للمبتدئين، احمل كاميرتك وابدأ في صنع فيلم ما، لا تنتظر أحد، وعندما تبدأ في شيء فقد بدأت مرحلة تعلم جديدة. لن تتعلم الكتابة والتدوين مالم تبدأ مدونتك الآن وتنشر حتى وإن كانت مليئة بالأخطاء اللغوية، وبالتأكيد ستتعرض للهجوم، ثم ماذا؟ ستنتهي حياتك؟ افعلها.

– تقبل فكرة المحافظة على فوضى أقل، تلك الفوضى التي قد تتزايد وتتمثل في أشياء مثل الاجتماعات ومراحل العمل الطويلة التي تضعها لنفسك أو تضعها شركتك، وحتى برامج نظام التشغيل والقوانين الداخلية للشركة. بعض الشركات صار همها تنظيم العمل وتعقيد هذا التنظيم وتخلت عن هدفها الأساسي وهو ما تقدمه.
اجعل أمورك سهلة، إجعل الفوضى أقل لتستطيع تغيير أي شيء، تستطيع ارتكاب الأخطاء ومعالجتها بسرعة، تستطيع تغيير أولوياتك، منتجك، وحتى تركيزك، وأهم شيء تستطيع تغيير رأيك.

– فكرة التعلم من الأخطاء أخذت أكبر من حجمها، يتداول الناس فكرة أن لا نجاح إلا من بعد فشل، وأن السبيل الوحيد للتعلم هو الفشل، وأن الفشل يكوّن شخصية المرء، حسنا هذا أمر مغلوط، أخطاء وفشل الآخرين لا يعنيك في شيء، كل حالة مختلفة عن الأخرى. ومن ناحية أخرى ما المقصود بالتعلم من أخطاءك؟ لا يوجد شيء ستتعلمه من خطأ سوى أن تتفادى هذا الخطأ مستقبلاً، لكن لو قارنته مع الذي تعلمته خلال نجاحك هو كل ما قمته به، إذا عملت على منتج ما ونجح فإن الذي تعلمته هو كل ما مررت به خلال عملية الانتاج، لقد تعلمت ما الذي سيجعل منتجك ينجح، فكيف يتم حصر التعلم بالأخطاء فقط؟

– الاجتماعات سم حقيقي، حسنا هذه لم استطع تلخيصها لأن كل كلمة فيها مهمة جدا، لذلك إن وجدت طريقة لإنجاز الأمور دون اجتماع كان أفضل. الاجتماعات تضيع للوقت والجهد، هدفها الرئيسي ليس أبدا اتخاذ القرارات، بل الاتفاق المبدئي على نقاط معينة. لماذا لا تكون الاجتماعات في الدقائق القليلة التي تلتقي فيها بالموظفين أثناء إعداد كوب من القهوة؟ أو وقوفًا في الممر بشكل سريع؟! المهم قلل الاجتماعات.

– لست بحاجة لعشرة موظفين، قد يفي ثلاثة بالغرض وتسليم الأعمال. كما أنك على الأغلب لست بحاجة لمكتب كبير، وتفاصيل كثيرة في الديكور، استفد من مشاركة مكتبك مع شركة أخرى. هل أنت بحاجة لقسم في تقنية المعلومات أم تستطيع توكيل العمل لطرف خارج الشركة؟! الأمور سهلة كما ترى، تستطيع الاستغناء عن أشياء كثيرة ولن تؤثر في عملك ولن تشغلك عن جودته.

– هناك دوما مزيد من الوقت لانجاز أشياء أكثر. حجة انعدام الوقت حجة باطلة، يمكنك بقليل من الجهد أن توفر ساعات أسبوعية لتعلم لغة جديدة، أو للعمل على مشروعك الجانبي الذي قد يتحول مستقبلا لمشروع حياتك. لا تنتظر “الوقت المناسب” لفعل الأشياء التي تريدها، لأنه لا وجود لوقت مناسب!

– اعرف جيدا ما تريده، أن تكون فردا طيعا ضمن القطيع هو أمر في الغالب لن يوصلك إلى أي مكان، عندما تعمل ضمن شركة جديدة عليك أن تعرف بالضبط لماذا تعمل مع تلك الشركة؟ ومالذي تود العمل عليه وما هي طموحاتك فيها؟ المشكلة تبدأ حين تقدم تنازلات لترضى عنك الشركة، والسبب في أنك عندما تحدد ما تريده فإنك ستصطدم مع الآخرين الرافضين لموقفك مما تريده. قد تواجه هذا كموظف ضمن شركة، حيث قد تعمل على أشياء لا تريدها ولا تحبها ثم تجدك تبتعد شيئا فشيئا عما جعلك تلتحق بهذه الشركة، ثم تقدم أيضا تنازلات يوما بعد الآخر لأنك مضطر لكسب المال لأجل العيش، والنتيجة أنك تختفي ويبهت نشاطك خلال سنوات قليلة. اتخاذ موقف واضح من عملك كموظف أو كشركة لها أسلوبها في العمل سيجعل الآخرين يصفونك بالوقح. لكن لا بأس بذلك 🙂

– تخلص من المقاطعات أثناء العمل، المقاطعات هي العدو الأول للانتاجية، ركز أثناء عملك، لن تصدق حجم الانتاجية التي قد تصل إليها إذا ركزت على عملك خلال ثلاث أو أربع ساعات يوميا دون مقاطعات، أغلق الهاتف، تجاهل محادثات العمل وحتى فنجان القهوة أو الشاي، لست بحاجة لإعداد فنجان قهوة كل ربع ساعة. عوّد زملاءك على احترام فترة الانتاج لديك. بسبب صعوبة الأمر في شركات تتطلب تواصلا يوميا ولحظيا بين موظفيها يلجأ البعض إلى الحضور قبل ساعات دوامهم بساعتين أو ثلاث ليكسبوا الوقت من أجل الانتاجية. (بالمناسبة أنا صفر حقيقي في هذا الموضوع، أشتت نفسي بسهولة تامة).

الافتراضات

ربما كان تأثير هذه التدوينة بسبب أحد الحوارات التي أجريت مع الممثل والمغني الأمريكي جيراد ليتو حين ذكر أن فترة دراسته في معهد الفنون وتجربته لأشياء كثيرة جعلته يدرك أن لا أحد يقرر ما ستكونه، ولست بحاجة لمبرر أو لإذن أحد حتى تمارس مهنة ما أو لتفعل أمرًا ما في حياتك، بإمكانك أن تكون مصممًا وممثلًا ورائد أعمال في نفس الوقت أيضًا، من الذي وضع قانونا لكل هذا؟ يمكنك السفر عبر العالم إن كنت تستطيع ذلك، ما الذي يمنعك؟

يعيدني هذا الكلام إلي التشويه الذي طال فكرة النظام التعليمي برمته، النظام التعليمي ومن فترة طويلة تحكَّم في مصائر الناس، حيث بات لدى المجتمعات أن الحصول على مهنة ما يتطلب التحصيل الدراسي العالي ومن معاهد عالية، ارتبطت الحياة بشكل جذري ولعقود طويلة بالنظام التعليمي، مع إقصاء متعمد لكل من فشل في التعامل معه، يضمن النظام التعليمي فرصة لتحصيل علمي ثابت ومتطور مع الوقت، لكنه يفترض أنه بدونه لا يحق للانسان القول بأنه متعلم! حاليا بدأ وعي عدد قليل من الناس بأن التعليم غايته التعليم، وليس التحكم بمصائر الناس أو الحكم عليهم وعلى مستواهم. كما بدأ الاهتمام بالتعليم المنزلي والتعليم الذاتي، لدينا نماذج كثيرة لبشر حققوا نجاحات مهنية باهرة والتحصيل العلمي لبعضهم لم يتجاوز الابتدائية أو الثانوية بحسب النظام التعليمي الرسمي عبر العالم، كما أعرف أشخاصًا كثرًا من بيئتي حققوا استقرارًا مهنيًا وازدهارًا ماليا دون تحصيل دراسي يذكر، وآخرون توقفوا عن التعليم الرسمي، واتخذوا طريقا خاصا بهم في تعليم ذاتي مذهل وابتكروا منتجاتهم الخاصة. لكن النظام التعليمي الحالي لا يعترف بنجاحاتهم، ومهما كانت خبرتهم المهنية والحياتية ترفض الشركات منحهم الفرص أو التأكد من مستواهم حتى. ويبقى المجتمع ينظر لهم دوما كمتخلفين مع أنهم يمثلون العبقرية في حد ذاتها.

إلى جانب هذا يفترض كثيرون أن اختيار مهنة معينة يعني أن تلتزم بها طوال حياتك، أو على أقصى تقدير أن تتطور فيها إدرايا إن كانت من الحِرف، لكن أن تمارس مهنة أخرى جديدة هو أمر مستهجن. هذا الافتراض كنت أؤمن به شخصيا لفترة من حياتي، لكني الآن أقول ما المانع في الأمر؟ هل هناك قانون يمنع الناس من ممارسة مهن جديدة؟ هل هناك عقاب سيحل بهم إن قرروا العمل في مجالات متعددة؟ هل هناك أمر الهي بالتزام مكاتبنا ومحلاتنا؟ الإجابة بكل تأكيد “لا”؛ لا يوجد شيء من هذا القبيل، اذن ما الذي يفعله البشر بأنفسهم؟ لماذا يقيدون أنفسهم بمهنة واحدة طوال حياتهم؟ ولماذا يفترضون أنهم بحاجة لمبرر أو إذن ليمارسوا مهنة أخرى؟

أقول هذا الكلام ربما لأقنع نفسي أن التصميم الغرافيكي ليس نهاية المطاف، أنا جيد في عملي، لكن هل فعلا يستحق أن أبقى فيه طوال عمري؟

افتراض مكمل للافتراضين السابقين، وقد تحدثت عنه من قبل، افتراض أن الزواج شيء اجباري في حياة البشر، لن يعجب هذا القول الكثيرين، شخصيا أرى أن الزواج قرار مهم له تبعات ومسؤوليات وتجربة عالية المستوى في مشاركة الحياة مع طرف آخر وتكوين أسرة، لكن مثل أي شيء آخر قد تنجح أو تفشل، ورأيت في حياتي من فشل في زواجه، ومن أكمل زواجه وهو لا يستحق أن يقال عنه أب. واستمرار الزواج في كل الأحوال لا يعني نجاحه. هذه نقطة وهي لا تنفي التجارب الناجحة، النقطة الثانية من افترض أن المجتمع له الحق في إجبار الناس على الزواج؟ أو أن حياتهم يجب أن تمر على نفس المراحل؟ لكل شخص نظرته للحياة التي يريدها، ويمكنه أن يعيشها بالشكل الذي يريد دون أن يتسبب بالضرر للآخرين. يقاوم المجتمع هذه الفكرة ويفترض أنك طالما تنتمي إليه فيتوجب عليك الانصياع لأسلوب الحياة العام. يثير استغرابي أن الناس لا ينتبهون مطلقا لفكرة أننا على هذا الكوكب لنحيا الحياة ونعيشها بسلام وتفاهم، وأن الأرض أوسع مما نتوقع، وأننا ضئيلون جدا لنهتم بحياة الآخرين ونكدر عيشهم بحسب افتراضاتنا، أو نفرض على بعضنا قوانين مجحفة فقط لننال الرضى النفسي وننضم إلى القطيع! لماذا يكترث المجتمع بمن ترتبط؟ ولماذا يتدخل في قرار لا أحد سيتحمل نتائجه سواك؟ يذكرني هذا بمؤسسة اشتغلت بها منذ سنوات لا ينفك موظفيها عن الحديث عن الزواج بشكل متواصل، ويريدونك أن تتزوج الآن قبل الغد، فقط لأنهم يرون هذا ضروريا، لكن لا أحد منهم يفتح فمه لو حدثته عن التفاصيل المالية لزواجك، هو لا يريد أن يضع نفسه مكانك ليري ظروفك الخاصة وهل ستتحمل تبعات الزواج أم لا، هو فقط يريدك أن تتزوج ليرضي فكرته الشخصية أو الدينية أو الاجتماعية أو أيًا كانت، هو من البداية لم يفكر إن كنت راغباً في الأمر أم لا؟!

الافتراضات لا تنتهي، لماذا يفترض المصممون أن جهاز الماك من آبل هو السبيل الوحيد لممارسة مهنة التصميم؟ رأيت غباءً منقطع النظير من مبرمج تطبيق Glyphs لتصميم الخطوط حيث يفترض أن صناعة الخطوط أمر يخص الماك فقط، وهو ما يهدم فكرة أن لا شيء في عالم التقنية ثابت أو يخضع لقانون معين، الأنظمة والبرمجيات الحرة تهدم هذه الافتراض الخاطئ حول حصر صناعة معينة بتقنية معينة، أنت حر في استخدام بل وصناعة النظام الذي تريد والتقنية التي تريد لفعل ما تريد، ولا أحد يملك ان يعيقك عن فعله.

يفترض الناس أن السفر يتوجب أن يكون محدداً ولأمكان معينة، يعجبني المغامرون من لا يتقيدون بوجهة معينة، من فجأة يقطعون روتينهم في أوقات مفاجئة من أيام دوامهم ليسافروا لوجهات غير متوقعة، يرى الناس أن هذا جنون ولا يليق، لكن من وضع هذا الافتراض؟ من قال بأنه يتوجب عليك السفر في وقت معين وأن السياحة تتوجب للوجهات العالمية المعروفة؟ شخصيا لا أحب أوروبا وفرنسا على وجه التحديد كوجهة سياحية، كما لا اهتمام لدي برؤية الأهرام في مصر، في الحقيقة الافتراض في الوجهات السياحية هو جزء مكمل للافتراض القائل أن العمل والنجاح يتوجب أن يكون في دول بعينها، يستغرب البعض من اصراري على العيش في بلاد هادئة مسالمة لا تضج بالفعاليات. يسقط الناس من حساباتهم الرؤية الشخصية للفرد نفسه في اختيار أسلوب حياته وأي بيئة يبحث، ويفترضون أن العيش السعيد بالضرورة يكون في دولة ومدن بعينها.

أن تتخلص من السائد

يصفك البعض بالجبان عديم المقاومة، كنت مقتنعاً ذات مرة بهذا، لكن ككل شيء تتغير نظرتك للأفعال والخيارات التي تقوم بها أنت أو غيرك، تفضل الابتعاد عن وجع الرأس قدر الإمكان، لا تحب التفاصيل التي تستهلك وقتك، تفضل رؤية الصورة الأكبر، كان هذا واضحًا يوم اتخذت قراراً في هاتفك بالابقاء على برنامج دردشة واحد فقط مرتبط جله بعملك ويزعجك اصرار عائلتك على استخدام تطبيق آخر، يستغرب من حولك عن عدم استخدامك لتطبيق واتس آب الشهير، تطبيق استخدمته لفترة محدودة وللضرورة قصوى عندما أردت استئجار شقة جديدة وكان صاحبها يصر على استخدامه حتى ينتهي من التصليحات.

لم تعد تستخدم الفيسبوك منذ أكثر من سنة، متابعة الأحداث عليه تستنزف الوقت والجهد والأعصاب، الدخول في نقاشات بعضها حاد حول ما يتوجب عليك نشره في حسابك وحول وما لا يتوجب، يدعي الفيسبوك أنه قرب الناس وأفكارهم من بعض ووفر حرية التعبير، لكن تجربتك الطويلة تبثبت عكس ذلك، في البداية يبدو أن هناك تقارب للأفكار، لكن في عمق التجربة تجد أن الاستقطاب هو سيد الخدمة كلها، تنهار بعد سنوات لتصل للحل وهو المقاطعة والتخلي عن الحساب وتركه فارغاً بدون تحديث، تمر بشكل سريع على ما يخطه الآخرون ثم تنسى الموقع والتطبيق مع الوقت.

التخلص من الفيسبوك في نظر الآخرين كان شيئاً متهوراً، يعتادون عليك ويبغضونك، لكنهم لا يتقبلون فكرة أن تترك لهم المنصة كلها وترحل دون إخطار، لا يدركون أنك قررت التخلص من السائد الذي صار يثقلك، بت تفكر في البساطة والأفكار المركزة.

ينحى نمط حياتك منحى جديداً، تصر على نوع واحد من الملابس لكي ترتديها، لم تعد ترتدي سوى بناطيل وقمصان من ماركة واحدة، والأحذية من ماركة أخرى، المفارقة أن المحلات متجاورة، تشتري أربع بناطيل من نفس النوع واللون والقياس مرة واحدة، كما أن قمصانك كلها بنفس التفصيل والألوان متقاربة، الأحذية كذلك متشابهة، لا تغير هذا الأسلوب سوى في المناسبات المهمة، تدخل غرفتك فلا تجد بها سوى سريراً بسيطاً وخزانة ملابس تكفي ملابسك القليلة، ومكتبك بسيط التصميم باستثناء الكرسي المريح. لا يحتوي سكنك على أي شيء، فارغ إلا من ستارة كبيرة بلون واحد ايضاً لتجعل الأمور كلها متحدة.

لكن يزعجك عدم تقييدك للأكل بنظام محدد، أن تأكل بالضبط ما تحتاجه، تخلصت من أكل اللحوم الحمراء من فترة طويلة، ويزعجك أنك لم تستطع التحول إلى نباتي.

لم تعد تستهويك المدن وزحمتها، ولا ترى في الانشغال بالعمل الكثير أمراً يستحق اهتمامك ووقتك، تفضل التركيز في اليوم الواحد على مهمة واحدة لانهاءها، تكره التشتيت، وتركه مكتب العمل المكتظ بالأوراق والملفات، سطح مكتب حاسوبك لا يتحوي سوى على سلة المهملات وربما ملف أو اثنين، مع صورة ذات مساحة لونية كبيرة بمنظر يثير الهدوء في النفس، تتخلص من كل البرامج التي لا تحتاجها، تحذف كل الملفات التي لا حاجة لك بها، وتخزن بقية الأشياء في قرص صلب، فأنت لست بحاجة لها طوال الوقت معك، تتابع أيضاً مواقع تشجعك على عيش الحياة البسيطة. وتكتشف بالصدفة أن الناس تعرفك من خلال أعمالك المليئة بالبساطة، تفضّل المساحات اللونية الهادئة والتركيز على التصميم نفسه بدل الزخرفة الزائدة. تكتشف معه أنك بت تفضل البقاء في بلد هادىء في مكان هاديء، وترك البلاد التي كانت تعج بالبشر والمشاغل، تجد نفسك فجأة قد تخلصت من أفكار الوطنية والانتماء، لم تعد ترى في الانتماء لقطعة أرضية على الكوكب شيئاً يستحق تضييع عمرك من أجله، هذا التفكير فجأة يصبح منبوذا كونه السائد على تلك القطعة الأرضية، ترى أن انتماءك يتوجب للمكان الذي تجد فيه راحتك وتشعر فيه بانسانيتك ومساهمتك في الحياة، تفكير شاذ لا يتفق معه أغلب البشر الذين يتوقعون أن السائد هو العكس، أن الانتماء يتوجب للمكان الذي ولدت وترعرعت فيه، لم تعد أغانيهم الوطنية تثير فيك شيئا، الحياة الهادئة البسيطة المسالمة والآمنة أحق بأن تحياها عن أي شيئ آخر يستنفذ أفكارك وأعصابك لأسباب ليس لك أي دخل فيها!

تفضل أيضاً اختيار صداقاتك ومعارفك، تفاجئ نفسك بأنك تعرف بالضبط من تريد أن تصاحب ومن تريد أن يبقى بعيداً عنك، ليس لديك الرغبة في تعلم دروس حياة جديدة ونقاشات وجدالات، تؤمن بأن الصداقة تعني الأوقات الطيبة والجيدة والمساندة وقت الضيق والأفكار المشجعة أو المواسية. يعتبرك الآخرون متكبراً منغلقاً وانطوائياً وتعتبر نفسك متخلصاً من وجع الرأس والسائد وسوء التفاهم ومحافظاً على العلاقات بطابع ودي لا أكثر، ينتقل هذا إلى حسابك على تويتر، لم تعد تتحدث عن القضايا السياسية والاجتماعية، عندما يستفزك شيء تعطي لنفسك بعض الوقت للتحكم في غضبك، ولا تنشر اي شيء عنه، تفضل أن يبقى حسابك في إطار عملك فقط، تتفادى الرد على من يهاجمك، تؤمن بأن العراك الافتراضي لن يأتي بنتيجة، وإذا حدث ودخلت في جدال ما فإنك تحذف كل ما كتبته بعد فترة ولا تترك في حسابك سوى ما ترى أنه لن يثير اهتمام أحد سوى المهتم بالعمل معك. تؤمن أن حساباتك الشخصية مثل منزلك، مكان يتوجب أن تجد فيه راحتك، ولا مكان فيه للغضب والصراخ والعراك، ولهذا تنتقي من تتابعهم، لا تحب مثيري المشاكل، والمتحمسين لقضاياهم عن قناعة، لا تحب من يعيد مشاركة كل شيء، تلغي متابعتك لكل متكلف وكل من لا ترتاح نفسك إليه، يغضب هذا الفعل الكثيرين، لكنهم لا يستوعبون أنك صاحب القرار في النهاية وما تفعله ليس إهانة لهم، بل محاولة منك لتبقي حياتك الافتراضية بسيطة وسلهة.

مؤثر في الشبكات الاجتماعية

تشهد دول الخليج طفرة في الاهتمام بالفنون البصرية، بعكس دول المغرب عموماً والجزائر خصوصا التي لا يبدو عليها الاكتراث بالفنان بأي شكل، حاليا وأقولها وأنا مغمض العينين أن دراسة الفنون ليس لها أي مستقبل في الجزائر. إذا أردت أن تبقى فنانا وتمارس الفن، فمارسه كهواية، أو سافر خارج البلاد وأرح نفسك عناء البحث عن الفرص المعدومة، أو التقدير لفنك. في الحقيقة هذا ما قمت به والآن أدفع ثمنه، لكنه يبقى رغم كل شيء ثمناً بخسا لو قارنته ببقائي في الجزائر، مشكل هذا الثمن أنك تستسلم له لأنك لا تملك خيارا آخر يقابله. في بداية تعرفي على شبكة الانترنت لأول مرة، تعرفت على التصميم الغرافيكي، الأمر الذي قادني لاحقاً لدراسة الفنون الجميلة، ثم الفنون البصرية، بدأت بالتوازي معها التدوين الذي كان ظاهرة حقيقية في الاعلام الجديد، أو اعلام المواطن، نالت مدونتي حمود استوديو شهرة لا بأس بها، ثم جاءت مدونة شعارات كمشروع تدريبي متزامن مع مشروع تخرجي، خلال تلك السنوات أظنني كونت اسمًا صغيرًا لي في مجالي، لكن الجزائر لا تهتم بالفنون على الاطلاق، والتواجد وسط الخليجيين أمر صعب جدًا؛ فالسعوديون على سبيل المثال، لديهم من القدرة على دعم أي مصمم سعودي مهما كانت درجة موهبته، وأنت لا تملك بالتأكيد حق منع شخص من دعم شخص آخر من نفس بلده!

وكوني قد قررت العمل في مجال التصميم الغرافيكي فقد أصبح تقدمي في مساري المهني يحتم علي استخدام الشبكات الاجتماعية، تسويق أعمالي، وتسجيل أفكاري وكتابة المقالات حول الأمور التي تعنيني، أو البقاء في الصورة قدر الإمكان، الشبكات الاجتماعية أو ما يصطلح عليه مهاويس اللغة العربية بـ “شبكات التواصل الاجتماعي” لا خلاف في أنها الآن تحتل قطعة مهمة في الحصول على فرص وظيفية وتسويقية أعلى في مجال الابداع وبشكل مجاني وجزئي، ولا يمكن انكار ذلك، لكنني لا أحب الشبكات الشبكات الاجتماعية، استخدمها مضطراً.

سبب ذلك جاء بحكم عملي واضطراري للاطلاع الدائم على كل ما يدور حول عالمها، ومضطر للخوض يومياً في ذلك العالم لأقوم بعملي بالشكل الصحيح، متابعة التوجهات الجديدة في تصاميم المنشورات، معرفة التعامل الصحيح مع كل محتوى يتم توفيره بناء على الاستراتجية المعتمدة للعميل ورسالته وغيرها، وباختصار أمضي جزءا مهما من يومي المهني في هذا العالم. وهو ما يعني ملاحظتي المباشرة للمستخدمين وتوجهاتهم، وملاحظتي كيف يعمل الناس في الشبكات الاجتماعية.

لذلك فمشكلتي مع الشبكات الاجتماعية ليس معها كوسيلة بقدر ما هي مشكلة مباشرة مع المستخدمين أنفسهم، وهي مشكلة بسيطة وواضحة ومباشرة وأخلاقية، وهي مع القيمة التي يضيفها المستخدمون، في أيام الدراسة كانت لدينا تلك النماذج من الطلبة دائمي الظهور والكلام عن قوة فنهم وتقنياتهم، وبعد مضي أربع سنوات بات لدينا بداخل المدرسة – بعيدا عن جو المعارض والندوات – معرفة صحيحة بمن يدعي القول حول فنه ومن يدعي عكس ذلك، أصحاب الفن والمهارات الحقيقية من لديهم القدرة على الموازنة بين ما يقولون وما يفعلون اكتسبوا مع الوقت احتراما لهم، وأصبحت أي جملة يتفوهون بها تعني أن هناك قيمة حقيقية من وراءها بعيدا عن حب الظهور والتسويق الكلامي، وخسر الآخرون احترام واهتمام الجميع.

في الواقع أنا أطبق هذا الكلام حرفيا في الشبكات الاجتماعية حين أدخل أي حساب، أعرف أن من حق أي شخص استخدام أي وسيلة لتسويق نفسه، لكنني أحتقر تلك الفئة المهولة التي لا تفعل شيئًا، والتي تتحول إلى ناسوخ كبير، ينسخ كل ما يراه على المواقع والحسابات الأخرى. حتى أني كونت قائمة بالمصممين الذين أحترم عملهم جدا وانتظر بفارغ الصبر ما سينشرونه من أعمال ومشاريع حقيقية توازن بين ما يتحدثون عنه من حين لآخر. لكن وأخشى قول هذا، أصبح هذا المجال مثل مجال التنمية البشرية الذي انتقده دوما، حيث يبيعك أغلب أفراده وهماً لاتجد نفعا له، وهي تهمة لصيقة دوما بعبارة التسويق، وهو ما يحدث على الشبكات الاجتماعية، فقط أمسك في عبارتي إبداع و تصميم وسيتصور الناس أنك ضليع في التصميم، المشكلة تتضاعف حين تبحث عن ابداع حقيقي لهذه الفئة، عن منجزات ومشاريع تدعم كل ما يقولون فلا تجد، وما تجده يبدو قليلا جدا ومتواضعا مع التصورات والوعود الكلامية التي تطالعها لهم في في حساباتهم.

هناك درس تعلمته من فترة طويلة، بالتحديد بين الأعوام 2008 و 2009، حين كنت مغتراً بشهرة مدونتي هذه، يوم وصلتني دعوة من نادي دبي للصحافة للمشاركة في منتدى الاعلام العربي، الحقيقة أنني وجدت نفسي غبياً وجاهلا بقدر كبير، فأنا ذاهب للمشاركة في كلام لست أعي نصفه حتى، في المشاركة الأولى مرت الأمور بشكل طيب، في العام الثاني بات واضحاً لدي أني ارتكبت خطئاً فادحاً بقبول المشاركة، كان يجب علي استيعاب ما سأتحدث عنه وما يتوجب علي قوله، كان ألطف كلام قيل عني وقتها “شفافية الشباب” كنوع من وصف سذاجتي وسطحيتي في التحدث عن الاعلام الجديد وعن ثورة المدونات.

الآن يبدو أن الناس تجد الأمر ممتعاً بالنسبة لها الحديث في أي شيء، والفتي في أي موضوع، وأيضاً السطو على أي مجال والتحدث باسم مجموعة كبيرة من البشر الذين بذلوا سنوات عديدة من عمرهم يدرسونه ويعملون فيه، وحتى يجدون في أنفسهم الجرأة في الحكم على من هم أقل من متابعيهم، وتطور الوضع بالنسبة لهم أن استحدثت الشركات شيئا يدعى المؤثرين، حيث تحول اكتساب أكبر عدد من المتابعين كمهنة في حد ذاتها يترتب عنها مدخول مادي مرتفع، ليس بسبب قيمة معنوية أو مادية تضيفها في حياة الناس، بل فقط لأنك تمتلك عددًا مهولاً من المتابعين، وليس مهماً المحتوى الذي تقدمه لهم، طالما أنك تسطو على أي مجال تجده في طريقك، أو على اي حدث محلي أو عالمي يحدث، هذا يبدو جلياً في صفة “الفاشينيستا” التي هي نوع من الـ Modeling في عالم الأزياء ربما الشيء الوحيد الذي قدمته هذه الفئة من مشاهير الشبكات انها ساهمت توسيع قطاع أعمال الأزياء، لكن من ناحية أخرى باتت وكأنها هي الفئة الوحيدة التي تمثل أي مشهد اعلامي أو تسويقي، وهي القناة الوحيدة التي يتم من خلالها التوصل إلى جمهور أكبر.

ثم تأتي ممارسات أخرى كركوب حدث وفاة أحد العلماء أو المشاهير الحقيقيين؛ وإدعاء معرفتهم وأعمالهم، وأيضاً أي وسم جديد يخرج إلى الساحة حتى وإن كان لعبة مثل “بوكيمون جو”، وليست حسابات الأشخاص – من يطلق عليهم المؤثرين – فقط من تفعل ذلك، بل حتى الشركات تجد في هذا النوع من الركوب أسلوباً لتسويق نفسها، لكن التسويق واستغلال الحدث لغاية تجارية يبدو واضحاً جلياً حتى أنه يشعرك بسخف الشركة وسخف من يفعل ذلك. وبدل أن تسعى الشركات لتقديم شيء حقيقي والتفكير بطرق مختلفة وصادقة للتسويق نفسها تلجأ لطرق أراها خسيسة ساذجة. وكالعادة يتماهى المستخدمون مع هذه الممارسات راضين بها دون محاسبة أخلاقية لما يقوم به هؤلاء المشاهير أو الشركات على الشبكات.

فقط، هذا كل شيء، أنا لا أحب الشبكات الاجتماعية، حقد وغيرة وتكبر وأشياء أخرى.

خلل الانتماء

في بلاد يصل تعداد سكانها لـ 40 مليوناً، يرتفع سقف المنافسة جداً، وإذا كانت المنافسة من الشدة إلى أنها تسحق كل خاسر وتحطمه؛ كون المجتمع في طبيعته لا يسمح للخاسر بالحياة بشكل طبيعي بعد الخسارة، يصبح من السهل حينها أن تختل معايير المنافسة، فلا تصبح الكفاءة معيارًا بأي شكل، فحينها يلجأ الأقل حظاً لسلوك طرق أخرى للفوز في المنافسة، ويبذل كل جهده لتغيير مسار المنظومة كلها، ومع الوقت يتحول هذا السلوك إلى ثقافة كاملة تسير الأغلبية، فينعكس الوضع، حيث تتغير معادلة التنافس لتتحول من الكفاءة إلى شيء آخر، وهو ما سيضع الأكفاء على مستوى أقل عن البقية الذين يجتهدون للفوز في المنافسة بأي شكل.

تخيل أن هذا يحدث مرارًا وتكراراً في أمور أخرى ليست لها علاقة بالكفاءة، بل حتى في التجارب الحياتية العادية البسيطة جداً! أو عندما تصبح الأخلاق معياراً منقوصاً منبوذا كونها تتناقض وفكرة المنافسة السائدة، المنافسة التي باتت تنحصر في من يعيش الحياة الأفضل والأنعم بغض النظر عن كفاءته أو ما يقدمه في حياته، أو حتى كيف يفعله. ثم تبدأ تلك المنافسة في محاربة من يثبت فعلياً أنه جاد في تقديم الأفضل، لن تتساهل معه، فوجوده يعني تهديدًا للأقل كفاءة.

وهكذا حتى تتحول الحياة في تلك البلاد شيئاً فشيئًا إلى أمر لا يطاق، ومن لا يستطيع التأقلم مع الوضع فقذ ضاع حتماً، يتحول هذا الضياع إلى شيء يشبه النقمة والحقد، كره – ربما – للبلاد وشعبها، ثم يتنقل إلى مرحلة أخرى وهي التجاهل لأي شيء يعنيها، ثم يفقد الأمل تماماً فيها، تتساوى مشاعره تجاهها، مثلها مثل أي بلد آخر لا يعنيه في شيء سوى أن جواز سفره يحمل اسمها فيها، لكنه لم يعد يكترث بالأمر أيضاً، سقطت لديه فكرة الوطن والأرض والتاريخ والانتماء، لقد مر بتجارب عديدة حطمته، فتلك البقعة ليس فيها مستقبل ينتظره، ثم يبحث عن مكان آخر يوفر ولو جزءً صغيرا من طموحاته كإنسان.

عند هذه المرحلة، هل يترك له الآخرون الفرصة ليبتعد بهدوء عنهم؟ الأحداث تثبت عكس ذلك، فالمطلوب أن يبقى تحت أعينهم محطماً يرونه يتعذب، لكن إن سنحت له فرصة الابتعاد، وأبدى اهتماما بالبلاد الجديدة يتهم بالخيانة وقلة الأصل، هذا الاتهام الذي يلغي فجأة كل الأحداث التي مر بها في حياته، الخيانة التي ترتبط بشكل غريب بالمكان الذي ولد فيه والذي لم يعد يؤمن به! وهو منطق غير واضح المعالم، ماذا لو لم يرغب المرء في الانتماء له؟ ماذا عن الضرر الذي تسبب به هذا البلد للشخص؟ أيتوجب عليه تحمله ورؤية حياته تذوي أمامه بسبب فساد منظومة البلاد كلها؟ أم أن العمر من القصر بحيث يستحق أن يستثمر بشكل أفضل في أي بقعة تسمح باستثماره وتقديره؟!

التجربة

هذا الكلام قد لا يفهمه من تعودوا على فكرة السفر، أما في حالتي فإنه من الخطورة أن تذهب في إجازة لوحدك بمالك الخاص الذي كنت تعمل من أجله لأعوام عدة. تقتطع منه جزءً مهمًا لتقضي اجازة في مكان جديد لوحدك، أو حتى مع عائلتك.

الخطورة هنا ليست في القيام بهذا الفعل، بل في الخروج عن المألوف في عائلتك متوسطة الحال. ففي عائلتي لا يجرؤ أحدنا على القيام بفعل كهذا لأنه تبديد صريح للمال والموارد. لم نعتد الترويح عن أنفسنا بالسفر إلى أماكن جديدة نضع لها ميزانية خاصة. أو نقتطع من راوتبنا لها، حيث الراتب محدد له مسبقًا أين سيصرف بحكم مستوانا المعيشي.

قررت السفر إلى ماليزيا على حسابي الخاص دون مشاورة أحد في ذلك. حددت للسفر راتب شهر واحد يزيد عليه قليلا. أظنني تجاوزت حدي قليلا في بعض المصاريف، إلا أنني أردت تحقيق شيئ لنفسي، انجاز معنوي لم أقم به مطلقاً. لم يقم به أي فرد في عائلتي أبدًا، تجربة السفر مثل أي فرد في العالم العادي. وليس الجزائر، في السابق كنت استغرب من بعض العائلات الميسورة الحال وهي تجوب بقدر استطاعتها أكبر عدد ممكن من الدول كل سنة. من منظور عائلتنا، كان هذا تبذيراً واسرافًا وإن كنا نحلم بتحقيقه، كنا نحسدهم في نفس الوقت.

ولذلك كنا نمضي العام تلو الآخر في منزلنا صيفاً لا نتحرك. نشاهد الجيران يسافرون ويعودون ونحن في مكاننا. نمضي أيام الصيف في المنزل نشاهد البرامج التلفزيونية، تكاليف السفر مرعبة جداً لمن هم في مثل وضعنا، فالمال محسوب ولا يمكن المجازفة به. ومع الوقت تعودنا على تلك الغصة بشأن السفر وتجربة الحياة الهانئة الهادئة التي نسميها “اجازة”.

رئيسي في العمل كان يبدو لي مخبولا وهو يخطط شهريا لرحلات اجازة قصيرة مع عائلته الصغيرة، أو مع شلته المعتادة، وهو أمر لم أتعوده أبدًا، المال والتكاليف أشياء لا أعرف كيف يتصرف معها. هو لديه منظور مختلف تماماً؛ يعمل ويكد بجهد خلال أيام العمل، ويراه ضرورياً لكي يستمتع بماله لاحقًا، وهو يفعل هذا بالتأكيد، فهو أكثر شخص شاهدته في حياتي يستمتع بلحظاته ورحلاته وإجازاته.

لا أنكر أني كنت مذعورا من فكرة السفر لإجازة، لصرف المال على رحلة أتسلى فيها وأرفه عن نفسي، كنت افتح مواقع الوجهات السياحية وعيني تذهب أولاً إلى الأسعار، قبل اتخاذ أي قرار. ما يزال هذا الهاجس يلاحقني نوعاً ما، لكنني أحاول ابقاء الأمور في نطاق يمكنني معه ضبطها.

التجرية هنا لا تتعلق بكيف استمتعت أو ماذا فعلت، التجربة بالنسبة لي تتعلق بكوني قمت بالأمر أخيرا بنفسي لوحدي بحُّر مالي، وبتخطيطي الخاص، وبحساباتي الخاصة، لم استدن، لم أتورط ماليا، لم أغلق على نفسي الباب في غرفتي خلال سفري، الصدف جعلتني أكتشف الأماكن والأشخاص بشكل رائع لم أفكر به أبدًا، كانت اختياراتي محدودة حقا، لكنها كانت مفاجئة وغير متوقعة. من تعود على السفر وخاصة من لديهم سهولة في الحصول على تأشيرات السفر- أو حتى ليسوا بحاجة لها – ربما لن يستوعبوا ما أقوله بالمرة.

لا يزال يفاجئني باولو كويلهو بصحة كلامه حول المغامرات وفائدتها، محاولة تجربة شيء جديد والفرص الجديدة التي تأتي معه.

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

ماليزيا

المشكلة في السؤال

في حالة سهري الحالية أحاول جاهداً البحث عن أي موضوع أكتبه، أهتم به، عن الحماس لعملي، وللفنون البصرية بشكل عام.

لكن من بين المشاكل أن الأمر يستلزم البحث عن الالهام قدر المستطاع، لذلك لا تنفك شبكات التواصل الاجتماعي أن تعيدني إليها من جديد، لأغرق بعدها في محيط الأخبار والمنشورات والفيديوهات، المسلي منها والمحزن. لكن تبقى المنشورات التي تتحدث عن الوفيات تجرني إلى حديث متكرر يزورني في اليوم بضع مرات، فلا أكاد أتوقف يومياً عن التفكير في مصيري بعد خمس سنوات إلى عشرين سنة من الآن. هل سأكون فاقداً لموهبتي؟ هل سأكون محافظً على شغفي مستقراً نفسيا واجتماعيا ومهنياً؟ أم فاشلاً منغلقاً على نفسه محطما ينتظر اللحظة التي يموت فيها؟ هل سيأتي اليوم الذي أستجمع فيه شجاعتي لأضع حداً لحياتي؟

أنا من مواليد الثمانينات -1982- لذلك فقد عشت وتربيت على مجموعة كبيرة من الشخصيات التي شكلت تصوري عن العالم من حولي، وحددت حتى أخلاقي وتصرفاتي وقراراتي في أحيان كثيرة، هذه الشخصيات وهي تذوي وتتوفى الواحدة تلو الأخرى، بعضها يذهب في صمت وباحترام، والأخرى – هي الغالبة – تذهب بشكل مأساوي، مع ضجة كبيرة عن الحال السيء الذي رحلت به من أمراض وفقر وحاجة ومشاكل عائيلة، ولهذا لم أعد راغباً في معرفة تفاصيل وفاة ممثلي المفضل، أو مطربتي المفضلة، لم أعد أركض إلى محرك البحث لأرى أحدث صورهم قبل الوفاة بفترة، لأفاجئ بحجم التغير الذي طرأ عليهم، كان للصورة الأخيرة لفنان الرائع فؤاد المهندس التأثير الكبير على قراري بعدم رؤية صور فناني المفضلين عند وفاتهم، أعرف أناساً يتلذذون برؤية المتوفى في عامه الأخير وكيف أصبح عجوزاً تعباً، ويمطون شفاههم عن حال الدنيا المكارة، ثم يحولونه إلى وسيلة ترفيه وتسلية بالحديث عن حاله كيف كان وكيف صار!

المشكلة أن هذه الصور تعلق في ذهني، وعندما أشاهد أعمالهم تقفز صورتهم في الواجهة، ويتشوه المنظر كله، وشبكات التواصل الاجتماعي تعزز هذا الأمر بشكل مهول، ربما لهذا السبب بت أشجع من أعرفهم في حال رغبوا بوضع نعي لأحد ما، أن ينشروا صورته وهو في أفضل حالاته، صورته وهو في ذورة عطاءه وانجازته.

لكن مع الوقت أيضاً بدأت ألتفت إلى أن كل تلك الشخصيات قد بدأت تتوارى وتنتهي، ما يعني أن الأمر سيحين معي ومع جيلي وأصدقائي وعائلتي إن عاجلاً أم آجلاً، لا فرار من ذلك. وإن طرحت فكرة الموت الجانباً ونظرتي لها، بعيداً عن الدين والإيمان، فقد تجاوزت مرحلة الاعتراض عليها، كونها ستحدث في كل الأحوال، ولذلك وكل يوم يراودني السؤال الذي صار مملاً من زياراته إلي ” المشكلة ليست في: متى موتك؟ بل: كيف سيكون موتك؟”، ولا تنفك معه أن تأتي تلك الأسئلة المحيرة التي طرحتها بطلة رواية باولو كويلهو “فيرونيكا تقرر أن تموت”، فيرونيكا كانت شابة يافعة لديها كل شيء تريده، لذلك لم ترغب في الوصول إلى تلك النقطة التي تكره فيها حياتها بعدما تكبر وتشيخ، أرادت وضع حد لحياتها وهي في قمة كمالها. فلماذا يقبل الناس البقاء على قيد الحياة عند بلوغهم الـ 70 أو 80 من العمر فاقدين لقدرات عدة، مع قائمة محترمة من الأمراض والعلل التي يستحيل علاجها بأي حال. ما الذي ينتظره هؤلاء الناس من سعيهم للعلاج وتحمل الألم، والمشاكل النفسية والاجتماعية الناجمة عن تقدمهم في السن؟ الأمل؟ هل يقف وراءه الإيمان والدين؟ أم أننا ببلوغنا تلك السن نكون قد استوعباً أشياء أكثر وتقبلنا حقائق أخرى لن نفهمها الآن؟.

هل أطرح هذه التساؤلات كوني أعاني من “أزمة اقتراب أزمة منتصف العمر”؟ لحظة أنا بالكاد في الرابعة والثلاثين من عمري! هل لدى علماء النفس احصائيات بنوعية الأسئلة التي يطرحها الناس بحسب أعمارهم؟ لم أجد أي إجابة طبعاً.

صديق هندوسي متدين تعرفت عليه منذ سنة، عارضني بشدة يوم زل لساني وذكرت أمامه تفكيري اليومي المتواصل بشأن وضع حد لحياتي – الانتحار طبعاً – كوني لن أصمد أمام أي تغيير سيء قد يطرأ على حياتي الخاصة بعد فترة عصيبة جداً مررت بها بين عامي 2011 -2012 كان خلالها بيني وبين الانتحار قرار دقائق قليلة فقط، وكانت سبباً في أن أتخلى عن نظرتي للجزائر كبلد أعيش فيه، فلم أعد مؤمناً بفكرة الوطنية والشعور بالانتماء لمكان فقط لأنني ولدت فيه، العيش على تلك البقعة من الأرض هو الجحيم بعينه، مع الأسف هو قدر لا يمكنني التخلص منه، لكني سأبذل جهدي لأضع حداً له.

يرى الصديق الهندي أن حياتي يمكنها أن تصبح ذات معنى لو سخرتها لخدمة الآخرين، هو مقتنع أن حياتنا ليست لنا، بل هي ملك للآخرين، وسواء ساءت أو تحسنت فهذا لا يهم طالما أننا نسعى لإسعاد الآخرين فإننا بشكل ما سنحقق السعادة لأنفسنا مهما كانت الظروف التي نمر بها، هذا مقصد جميل ونبيل جعلني أتطفل على تلك الديانة قليلاً وأحترم الكثير من تعاليمها، وأسخر من أساطيرها وخرافاتها. لكن هذا المقترح لا يلبي شيئاً مما أقصده وأتحدث عنه، هل سيضمن السعي لاسعاد الآخرين أن لا يتحول حالي لحال شخصياتي المفضلة؟ النهاية السيئة التي لا أحبها؟ الحال التعب المنهك، أن لا تقوى على فعل ما تحب؟ عمل ما تحب؟ ممارسة أي شيء تحبه في حياتك؟ طالما الخلود ليس له مكان بيننا؟!. فأنا مهووس بالتصميم والفنون البصرية بشكل جنوني، وتقريباً لا يمضي يوم دون أن أتعلم شيئاً جديدًا أو أنفذ تصميمًا ما، باختصار أنا أحب عملي وأقدر جيداً الموهبة التي لدي، ولهذا يصر أصدقاء آخرون أن سبب تفكيري المتواصل بهذا الشأن هو لأني لم أتزوج بعد، وأن الزواج وانجاب الأطفال سيساعدني على إدراك حقائق وأمور أخرى وتقبل مواصلة الحياة بكل أشكالها ونهايتها، الغريب أن تساؤلاتي هذه هي سبب رئيس في امتناعي عن الزواج، أو على الأقل تأجيله – بالاضافة إلى أسباب أخرى لا مجال لذكرها هنا -، فلست مستعداً للارتباط لأخدع نفسي بمواصلة الحياة. لا أفهم إن كان هذا جبنًا أن يهرب المرء ويتوقف عن طرح السؤال عن توقيت وكيفية موته، وغاية حياته، أم أن الكون من الغرابة بأن الناس من الحكمة بأن يكوّنوا أسرة تشغلهم عن السؤال الذي يحيرهم.

ماذا؟ إنها تقارب الثانية صباحاً!!

ليلتكم طيبة.

كيف توقفت عن العمل الحر؟

من دفتر مذكراتي الخاصة على خدمة Keep من جوجل:

لا تزال تصلني رسائل من أشخاص رائعين للعمل كمصمم حر معهم، وهذا أمر طبيعي كوني لا أزال أنشر أعمالي التي أقوم بها لنفسي – كتسلية وتدريب – على موقعي ومدونتي الخاصة أو على حساباتي على الشبكات الاجتماعية، فمن يراسلني يرغب في تصميم شعار أو هوية بصرية وأحياناً يقترح تعاوناً بيننا في مشروع معين، بعضهم يتفاجئ حين أخبره أني متوقف عن العمل الحر من فترة طويلة، ويعتبر الأمر غريباً جداً. مرت قرابة الثلاثة أعوام من التوقف عن العمل الحر، مع بعض الاستثناءات الخاصة جداً، والتي هي أيضاً انتهت مثل سابقاتها، نهاية مريعة غير مسلية بالمرة.

خلال محاولاتي العمل بشكل حر منذ 2006 أو 2007 – وهي سنة تخرجي – لم أستطع النجاح إلا في عدد قليل جداً من المشاريع، فلست أمتلك موهبة التفاوض أولاً، ولا التسعير، ولا التعامل بشكل حازم مع التصميم كمهنة وعمل، وإلى اليوم لو لم تتوفر لدي هذه الوظيفة التي أعمل بها حالياً لتضورت جوعاً، ففي الوظيفة أنا ملزم رغماً عني بالاحتفاظ بجودة العمل وبمواعيد الانجاز والتسليم.

لا أحب التعامل مع العمل بجدية، الجدية تقتلني ولا تترك لي مجال للتفكير بالتصميم أو الابداع، كما أن عملي كمصمم غرافيك يخضع لمزاجي في غالب الأوقات، لو كان بي مزاج للعمل فقد أتفرغ للمشروع اليوم كله، وإن لم يوجد المزاج أو لم يرقني العميل، أو استسخفت فكرة المشروع فسيؤجل كل شيء لآخر ساعة قبل موعد التسليم.

العميل الأول اشتكى، والثاني أيضا، ثم الثالث، وبعدها بدأت تصلني محادثات من أصدقاء يخبرونني عن سمعتي السيئة في العمل، لكنهم يصرون أن المشكلة ليست في جودة ما أقدمه، بل بالطريقة التي أعمل بها، فرسالة البريد التي يتوجب الرد سريعا عليها تنتظر لأسبوع أو أكثر، مكالمات الهاتف التي علي استقبالها اتقاعس عن التعامل معها في حينها، فأتجاهلها، كوني أخشى التورط في وعود جديدة لا يمكن أن أفي بها. حاولت جاهدًا استخدام برامج تساعدني في ضبط العمل وفشلت، تابعت فيديوهات عدة عن العمل الحر والمستقل وكيف أنظم أموري وكيف أسعر خدماتي وكيف أتفاوض مع العملاء، وكيف أدير كل مرحلة، وفشلت أيضًا. وهو الشيء الذي لا أجد له أي تفسير؟!

قبل ثلاثة أعوام أدركت أن عملي كمصمم حر لا مستقبل له، وصلت هذه القناعة لذروتها قبل عدة أشهر حين عملت بشكل خاص على مشروع لمقهى بنفس مستوى مقاهي ستاربكس وكوستا، لم تكن لدي مشكلة في البحث ووضع التوجهات الابداعية وحتى الشعار النهائي والنظام البصري للهوية الذي أعجب به العميل جداً، كانت مشكلتي في التفاصيل وتعديل بعض الثيمات وتسليم الملفات النهائية، وهو ما لم أقدر على القيام به لحد الساعة، مع أن العميل دفع المبلغ مقدمًا، لقد استسلمت وقتها، أنا سيء في العمل الحر، وإن أكملت بهذا الشكل فستكرهني القلة الباقية التي تحترم عملي، فيكفي أن تهمة “التكبر” تلاحقني أينما حللت.

لذلك خلصت إلى أن أكتفي حالياً بهذا الوضع، ولا مجال للعمل الحر بأي شكل.