قولبة المصممين

القصة كما كل مرة أكتب عنها، بدايتي كانت مع الرسم، قبل دراستي للفنون كنت قد تعرفت على برامج معالجة الصور وتحرير النصوص الفوتوشوب والكوارك اكسبرس كانا أحدها، كانت البرامج كثيرة، وبدأت بانجاز بعض المشاريع الصغيرة الشخصية والمشتركة مع بعض الأصدقاء، وخلال دراستي للفنون بدأت أتعلم أشياء أخرى مختلفة، بين الرسم الزيتي والزخرفة والتصميم الداخلي، لكني وبين السنة الثانية والثالثة كنت قد قررت التخصص في الاتصال البصري، والذي تم تلخيصه لاحقا في التصميم الغرافيكي كوصف عام لمن يختارون هذا التخصص. لكن ما تتعلمه هنا أنك من التخصصات التي تستطيع الأخذ من كل التخصصات الأخرى وتوظيفها بحسب كل مشروع ومتطلباته! ما يسمح لك بالتنوع ولا يضعك في قالب واحد، وما تتعلمه أيضاً أن أدواتك كذلك غير ثابتة فالموضوع وطبيعة المشروع هما ما يحدد الأدوات اللازمة للتصميم، ما يعني أن كل ما لديك في الحقيقة كمصمم هو جودة أفكارك وتنفيذك والأساس التعليمي الذي أخدته في دراستك. ربما لهذا السبب يقول أوتل أيشر المصمم الألماني الشهير أن التصميم من المهن القليلة التي لا تحدد مستواك فيها بشهادة جامعية وأن المصمم هو مصمم وكفى بحسب جدوة ما يقدمه.

خذ أمثلة كثيرة يمكن القياس عليها، مثلاً فن الخط العربي الآن يشهد ثورة كبيرة وربما هو في طريقه ليعيش عصرًا ذهبيًا جديدًا، وما ساعده على ذلك شبكات التواصل بمشاركة الخطاطين لأعمالهم وتفاعلهم مع الجمهور، وتداخله السابق مع الفنون التشكيلية وحالياً مع التصميم الجرافيكي والذي سمح بزيادة الطلب على أعمال أصلية من أصحاب الأعمال سواء لهويات مؤسساتهم أو للوائح محلاتهم أو من الشركات العالمية التي تود أن تتماشى مع الثقافة العربية في ظهورها، إلا أن التنفيذ الآن يختلف من خطاط لآخر، فبعضهم يفضل العمل على الورق مباشرة، والآخرون على البرامج والتطبيقات لسهولة رقمنة العمل لضمان الجودة، والبعض الآخر يقوم بالاثنين معًا، لكن العملية ليس مقننة، فالحكم في النهاية هي النتيجة، وطريقة التنفيذ التي ليست بالضرورة هي نفسها.

مثلاً من بين الأعمال التي نقوم بها أيضًا هي الرسم واستخدام هذه الرسومات بطريقة الكولاج وهي من الطرق الشائعة سابقًا بين المصممين مثل لانجاز تصميم ما أو لوحة جرافيكية معينة، وبعض هذه الأعمال يكون حرفياً 80 بالمائة منها عمل يدوي حر لا دخل لأجهزة الحاسب فيها سوى لضبطها وتجهيزها للطباعة أو لبعض الرتوش الصغيرة وإضافة نصوص. مؤخراً عملنا على هوية لمطعم أكلات سريعة اعتمدت أغلبها على الحبر على الورق وطريقة مسحه على السكانر وفقط.

لماذا أسرد هذه الأمثلة؟ لأنني أود الحديث عن القضية الأساسية، تخيل أنك لن تصير مصممًا لأنك لا تملك المال لاقتناء الجهاز الذي صارت تطبيقات التصميم فقط عليه، لأن سعره خرافي جداً؟ لأن مجتمع التصميم يصر على دفع المطورين لتطوير تطبيقات التصميم فقط لهذا الجهاز بحجة أن التطوير عليه – بحسب زعمهم – أسهل وأسرع!! هل كنت لأصبح ما أنا عليه لو انتظرت الحصول على جهاز “ماك” قديم بأربع سنوات بمواصفات عادية؟ أعلم يقينا أنه لولا الخلطة التي وفرها بيل جيتس لما كان ثلاثة أرباعنا هنا، هذا ما أتاحه لنا، التنوع والسهولة والمنافسة والأسعار التي بقليل من الجهد يمكن توفيرها. ناهيك عن أن لا أحد يبحث عن الوسيلة التي تصمم بها، بل يسأل عما صممت وعن معرض أعمالك، وليس النظام الذي تعمل به. ليس دفاعاً عن الويندوز فله عيوبه أيضاً، لكن تخيل أن لا أحد يعتبرك فنانًا تشكيليًا لأنك لا تستخدم ورق Canson وألوان Pébéo؟! مهزلة حقيقية. دارسو الفنون مثلاً يعلمون أن هناك أدوات عامة للتعلم ولتنفيذ اللوحات، لكن في النهاية كل فنان يطور أسلوبه وأدواته الخاصة في تنفيذ لوحاته.

والفقرة السابقة تتحدث عن مشكلة فرعية لمشكلة أكبر وهي الابتعاد عن الفكرة الأساسية والمستوى الذي تقدمه كمصمم، فلا بأس أن كان ما تقدمه عملاً متواضعًا أو سيئًا طالما تستخدم ما يصفونه بـ”الأدوات الصحيحة”، المشكلة التي نتحدث عنها هنا هي تدّخل صناعة البرامج في توجيه وقولبة مجال معين والذي يعتبر من أكثر المجالات مرونة وتنوعاً. وبعدما كان التصنيف في السابق يعتمد على ما أضافه المصممون من تجارب جديدة إلى بماذا يعمل المصممون! لقد مرت فترة طويلة لم أعد أشعر فيها أننا كمصممين نهتم بما نضيفه بقدر اهتمامنا بـ مالذي نعمل به وكيف؟ ومن ثم نصنف أنفسنا!! والشركات لا تتورع على دفع المصممين لهذا من أجل الاستحواذ والإبقاء على قاعدة مستخدمين أكبر والانتفاع منهم، فمثلاً لا أحد يفهم لماذا لا توجد نسخة للماك من برنامج ثري دي ماكس؟ لماذا توفر الشركة فقط نسخة للويندوز/ميكروسوفت دونًا عن بقية الأنظمة؟ وفي المقابل لماذا لا يوفر مطور برنامج جليفس لتصميم الخطوط نسخة للويندوز والاكتفاء بنسخة للماك ومعها عبارة مستفزة تقول أن تصميم الخطوط هو شيء يخص الماك فقط!! مع أن قاعدة مستخدمي الويندوز أكبر بكثير؛ أكثر من 90% من المستخدمين لديهم ويندوز!.

هناك من يقول أن الأمر متعلق بصعوبة تطوير البرامج على تلك الأنظمة وتحديثها، وهذا الكلام يعتبر هراءً مطلقًا، ومع عدم منطقية هذا القول في وقتنا الحالي، لدي أصدقاء مطورون وجميعهم يتفقون أن تطوير البرامج في أي نظام هو أمر ممكن جداً ولا يوجد تفسير لانعدامه سوى تغلغل القسم المالي وسياسة الاستحواذ في تطوير البرنامج فقط لبيئات معينة، كما أن هناك من يمدح نظامًا ضد نظام آخر، وشخصياً أعمل على البيئتين الماك والويندوز وليست لدي أي اشكالية، وتفضيلي للويندوز أكثر منه للماك. هذا بالنسبة للأنظمة، أما البرامج فهي حكاية أخرى، كنت في السابق أرى عربًا من الخليج العربي ينتقدون من يستخدمون برامج مقرصنة لشركة أدوبي العظيمة والجشعة كذلك، يهملون معها قابلية الوصول التي تختلف من بلد لآخر، كما أن برامجها كانت غالية جدًا يستحيل علي الحصول عليها في تلك المدينة الصغيرة في الجزائر، لقد أخذني وقت طويل حتى استوعب أنها لم تكن البرامج الوحيدة، هناك غيرها الكثير! ربما النهاية التي آلت لها شركة أدوبي باعتبار برامجها هي السبيل الوحيد للتصميم هي نفس النتيجة التي سنصل لها مع نظام الماك في المستقبل مع تطبيقات لا تحملها وانما تستأجرها ولا تملك الحق في امتلاكها، ومعها لكي تصير مصممًا عليك أن تكون من علية القوم وأغنياءهم لتحصل على “الأدوات الصحيحة” للتصميم.

لذلك ما يهمني هنا هو كرهي لعملية القولبة التي تتم على قدم وساق للمصممين لاستخدام أدوات معينة واعتبارها هي السبيل الوحيد للتصميم، ما يهمني هو أن ينتبه المصممون إلى أن النتيجة هي الحكم الأول والأخير على الأعمال، لا الأدوات، لا أحد يستطيع تخيل دهشتي وإحباطي واستهزائي في نفس الوقت من كل مصمم أو عميل يعتبر أن بيئة الماك هي بيئة التصميم، فقد أثبت أنها ليست البيئة الوحيدة، ربما كانت في فترة معينة لكنها ليست الوحيدة، وأن هذا التفكير المغلوط يجب أن يتوقف، تقنيًا وصلنا إلى مستوى لا يهم فيه التقنية التي تستخدمها، أُحكم على المصمم من خلال عمله وفقط.. لحظة.. لا تحكم عليه من الأساس.

تعليق واحد على

  1. جود

    أنا معك بكل ما قلته ولكن..
    ربما لأن أجهزه الماك هي الاسهل فيتم أستخدامها بشكل كبير لدى المصممين رغم أني لا أستخدمها ولكني أجد صعوبه في أستخدام أجهزه نظام الويندوز لا أراها عند غيري من مستخدمين “الماك” وأيضاً ربما برامج أدوبي هي الافضل فلذلك نجدها الشائعة في عالم التصميم..
    أما هذه الأفكار التي تقيس المصممين على أجهزتهم أو برامجهم أفكار جهله بصريح العباره ولكن لا أنفي أن بها نسبه ضئيله جداً جداً من الصحه ولكن هذه النسبه الضئيله من الصحه تتعلق بالمصمم فقط وراحته في العمل لا تتعلق بالاخرين ولا يحق لهم الحكم عليه من خلالها.
    وربما أيضاً لأني جديده في عالم التصميم ومبتدأه فلا أرى الأمور بالطريقه الصحيحه..
    آمل أن وجهة نظري وصلت إليك بالطريقة التي أعنيها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *