أن تتخلص من السائد

يصفك البعض بالجبان عديم المقاومة، كنت مقتنعاً ذات مرة بهذا، لكن ككل شيء تتغير نظرتك للأفعال والخيارات التي تقوم بها أنت أو غيرك، تفضل الابتعاد عن وجع الرأس قدر الإمكان، لا تحب التفاصيل التي تستهلك وقتك، تفضل رؤية الصورة الأكبر، كان هذا واضحًا يوم اتخذت قراراً في هاتفك بالابقاء على برنامج دردشة واحد فقط مرتبط جله بعملك ويزعجك اصرار عائلتك على استخدام تطبيق آخر، يستغرب من حولك عن عدم استخدامك لتطبيق واتس آب الشهير، تطبيق استخدمته لفترة محدودة وللضرورة قصوى عندما أردت استئجار شقة جديدة وكان صاحبها يصر على استخدامه حتى ينتهي من التصليحات.

لم تعد تستخدم الفيسبوك منذ أكثر من سنة، متابعة الأحداث عليه تستنزف الوقت والجهد والأعصاب، الدخول في نقاشات بعضها حاد حول ما يتوجب عليك نشره في حسابك وحول وما لا يتوجب، يدعي الفيسبوك أنه قرب الناس وأفكارهم من بعض ووفر حرية التعبير، لكن تجربتك الطويلة تبثبت عكس ذلك، في البداية يبدو أن هناك تقارب للأفكار، لكن في عمق التجربة تجد أن الاستقطاب هو سيد الخدمة كلها، تنهار بعد سنوات لتصل للحل وهو المقاطعة والتخلي عن الحساب وتركه فارغاً بدون تحديث، تمر بشكل سريع على ما يخطه الآخرون ثم تنسى الموقع والتطبيق مع الوقت.

التخلص من الفيسبوك في نظر الآخرين كان شيئاً متهوراً، يعتادون عليك ويبغضونك، لكنهم لا يتقبلون فكرة أن تترك لهم المنصة كلها وترحل دون إخطار، لا يدركون أنك قررت التخلص من السائد الذي صار يثقلك، بت تفكر في البساطة والأفكار المركزة.

ينحى نمط حياتك منحى جديداً، تصر على نوع واحد من الملابس لكي ترتديها، لم تعد ترتدي سوى بناطيل وقمصان من ماركة واحدة، والأحذية من ماركة أخرى، المفارقة أن المحلات متجاورة، تشتري أربع بناطيل من نفس النوع واللون والقياس مرة واحدة، كما أن قمصانك كلها بنفس التفصيل والألوان متقاربة، الأحذية كذلك متشابهة، لا تغير هذا الأسلوب سوى في المناسبات المهمة، تدخل غرفتك فلا تجد بها سوى سريراً بسيطاً وخزانة ملابس تكفي ملابسك القليلة، ومكتبك بسيط التصميم باستثناء الكرسي المريح. لا يحتوي سكنك على أي شيء، فارغ إلا من ستارة كبيرة بلون واحد ايضاً لتجعل الأمور كلها متحدة.

لكن يزعجك عدم تقييدك للأكل بنظام محدد، أن تأكل بالضبط ما تحتاجه، تخلصت من أكل اللحوم الحمراء من فترة طويلة، ويزعجك أنك لم تستطع التحول إلى نباتي.

لم تعد تستهويك المدن وزحمتها، ولا ترى في الانشغال بالعمل الكثير أمراً يستحق اهتمامك ووقتك، تفضل التركيز في اليوم الواحد على مهمة واحدة لانهاءها، تكره التشتيت، وتركه مكتب العمل المكتظ بالأوراق والملفات، سطح مكتب حاسوبك لا يتحوي سوى على سلة المهملات وربما ملف أو اثنين، مع صورة ذات مساحة لونية كبيرة بمنظر يثير الهدوء في النفس، تتخلص من كل البرامج التي لا تحتاجها، تحذف كل الملفات التي لا حاجة لك بها، وتخزن بقية الأشياء في قرص صلب، فأنت لست بحاجة لها طوال الوقت معك، تتابع أيضاً مواقع تشجعك على عيش الحياة البسيطة. وتكتشف بالصدفة أن الناس تعرفك من خلال أعمالك المليئة بالبساطة، تفضّل المساحات اللونية الهادئة والتركيز على التصميم نفسه بدل الزخرفة الزائدة. تكتشف معه أنك بت تفضل البقاء في بلد هادىء في مكان هاديء، وترك البلاد التي كانت تعج بالبشر والمشاغل، تجد نفسك فجأة قد تخلصت من أفكار الوطنية والانتماء، لم تعد ترى في الانتماء لقطعة أرضية على الكوكب شيئاً يستحق تضييع عمرك من أجله، هذا التفكير فجأة يصبح منبوذا كونه السائد على تلك القطعة الأرضية، ترى أن انتماءك يتوجب للمكان الذي تجد فيه راحتك وتشعر فيه بانسانيتك ومساهمتك في الحياة، تفكير شاذ لا يتفق معه أغلب البشر الذين يتوقعون أن السائد هو العكس، أن الانتماء يتوجب للمكان الذي ولدت وترعرعت فيه، لم تعد أغانيهم الوطنية تثير فيك شيئا، الحياة الهادئة البسيطة المسالمة والآمنة أحق بأن تحياها عن أي شيئ آخر يستنفذ أفكارك وأعصابك لأسباب ليس لك أي دخل فيها!

تفضل أيضاً اختيار صداقاتك ومعارفك، تفاجئ نفسك بأنك تعرف بالضبط من تريد أن تصاحب ومن تريد أن يبقى بعيداً عنك، ليس لديك الرغبة في تعلم دروس حياة جديدة ونقاشات وجدالات، تؤمن بأن الصداقة تعني الأوقات الطيبة والجيدة والمساندة وقت الضيق والأفكار المشجعة أو المواسية. يعتبرك الآخرون متكبراً منغلقاً وانطوائياً وتعتبر نفسك متخلصاً من وجع الرأس والسائد وسوء التفاهم ومحافظاً على العلاقات بطابع ودي لا أكثر، ينتقل هذا إلى حسابك على تويتر، لم تعد تتحدث عن القضايا السياسية والاجتماعية، عندما يستفزك شيء تعطي لنفسك بعض الوقت للتحكم في غضبك، ولا تنشر اي شيء عنه، تفضل أن يبقى حسابك في إطار عملك فقط، تتفادى الرد على من يهاجمك، تؤمن بأن العراك الافتراضي لن يأتي بنتيجة، وإذا حدث ودخلت في جدال ما فإنك تحذف كل ما كتبته بعد فترة ولا تترك في حسابك سوى ما ترى أنه لن يثير اهتمام أحد سوى المهتم بالعمل معك. تؤمن أن حساباتك الشخصية مثل منزلك، مكان يتوجب أن تجد فيه راحتك، ولا مكان فيه للغضب والصراخ والعراك، ولهذا تنتقي من تتابعهم، لا تحب مثيري المشاكل، والمتحمسين لقضاياهم عن قناعة، لا تحب من يعيد مشاركة كل شيء، تلغي متابعتك لكل متكلف وكل من لا ترتاح نفسك إليه، يغضب هذا الفعل الكثيرين، لكنهم لا يستوعبون أنك صاحب القرار في النهاية وما تفعله ليس إهانة لهم، بل محاولة منك لتبقي حياتك الافتراضية بسيطة وسلهة.

تعليق واحد على

  1. حلمي

    جميل جدا لكن اختلف معك في نقطة جوهرية وهي وصفك لهذه الحالة كاستثنائية بينما أرى أنها منتشرة الى حد كبير. هناك الكثير ممن يعييش نفس النمط وربما اكثر حدة. قد لا يكون لهم نفس الحضور وهذا بسبب نمط حياتهم المنحسر. ما ترى انه “سائد” ليس الا نمط حياة اكثر ضجيجا لكن لا يعني انه فعلا هو السائد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *