انقسام

تنويه؛ هناك حرق لبعض الأحداث.

في عودة ملحوظة ومفاجئة للمخرج ام نايت شيامالان الذي عاني لسنوات ماضية من تخبط في تقديم أفلام ناجحة بعدما كانت مسيرته في أوجها في نهاية التسيعنات وبعدها بأفلام مثل الحاسة السادسة ورموز إلى الحدوث، يعود بفيلم سبليت – انقسام – الذي يضرب من جديد على وتر أفلام الرعب النفسية الغير متوقعة، أو لنقل المتوقعة ولكن التي لا تفقد بريق امتاعها للمشاهد وابهاره بكل مشهد، وحتى النهاية التي هي ذروة الامتاع والجلوس على حافة المقعد من التشويق والاثارة والرعب.

Split Movie

لماذا نقول عنه فيلم رعب متوقع؟ حسنا بكل بساطة الفيلم ذو نهاية متوقعة جداً، وحتى حبكته/قصته تقف على توليفة معينة ومألوفة في أفلام الرعب. وهي الاعتماد على معلومة علمية أو نفسية بسيطة وبناء الفيلم كله حولها، البناء هنا يبقى بنفس طريقة أفلام الرعب كلها، بداية غامضة، اظهار البطل البريء، توضيح معالم الشخصية الشريرة ببطء، والشخصيات الثانوية التي على الأغلب ستتحول لاحقا إلى ضحايا.

يتناول الفيلم معلومة نفسية تقول أن هناك ما نسبته 1 إلى 3 بالمائة من البشر يعانون من اضطراب الشخصية الانفصامية، حيث يتمكنون من بناء عدة شخصيات داخلهم بسبب أحداث حياتية تسببت لهم بألم نفسي كبير ما يجعلهم يبحثون عن مخرج لها باختلاق شخصيات جديدة داخلهم، المثير أن هذه الشخصيات الجديدة – بحسب الفيلم – تتمكن من خلق بعد فيزيائي جديد لها، كأن يتمكن مريض مُقعد بابتكار شخصية جديدة تتجاوز البعد الفيزيائي ليسير على قدميه من جديد!

الشخصية التي يتناولها الكاتب/المخرج هنا هي “كيفين“؛ فتى تعرض للتعذيب النفسي والتربية القاسية أدى لأن يبتكر لنفسه 23 شخصية مع الوقت لتحميه من واقع تلك التجارب، بين شخصية “باري” مصمم الأزياء الشغوف والمهذب، إلى شخصية “هيدويغ” الطفل الصغير البريء واللماح، إلى “دينيس” الرجل القوي المهووس بالنظافة والترتيب، إلى “السيدة باتريشيا” الصارمة والمنظمة.

Split Movie

مع ذلك تمت رعاية كيفين والعناية به من قبل دكتورة نفسية تفهم كل الشخصيات، إلا أن الأمور تتحول فجأة في حادثة لا نراها ولكن تأتي ضمن حوار بين المريض وطبيبته، حين يتعرض لإساءة من قبل شابتين وهو ما يخل بكل محاولات إصلاح نفسه، فتتصارع شخصياته لحمايته ما يجعله يبتكر شخصية جديدة أو الشخصية الرابعة والعشرون والتي وصفها بالوحش والتي لديها بعد فيزيائي خارق تتحمل معه كل الآلام الجسدية ولا تؤثر فيها، وفي انتظار إطلاق تلك الشخصية تقرر الشخصيات الأساسية دينيس وباتريشيا اختطاف فتاتين وتقديمها إلى الوحش في يوم ظهوره للعلن، إلا أنه يختطف بالخطأ ثلاث فتيات واحدة منهم هي بالتأكيد بطلتنا في القصة والتي لديها ماض لا يختلف كثيرًا عن ماضيه.

Split Movie

ترى شخصيات كيفين أن الشابتين لم تريا في حياتهما أي أذى، ولم يمسهما أي سوء، حياتهما مثالية، ولذلك لا يحق لهما العيش، وأن الحياة فقط للنقيين الذي جربوا معنى الحياة وآلامها، تماماً مثلما تعرضت له البطلة كايسي التي اغتصبها عمها وهي صغيرة بعد وفاة والدها، وعذبها بإطفاء السجائر في جسمها، وهي المعلومة التي لم تدركها شخصيات كيفن إلا لاحقًا.

قصة الفيلم البسيطة تلك، اعتمدت بشكل كلي على الأداء المبهر لجيمس ماكفوي في أداء ستة شخصيات مختلفة أحيانا في آن واحد، حيث سيطر آداوءه على كل مشهد، لن أستغرب لو رشح بسببها إلى جوائز الأوسكار القادمة، ولو أن هذا النوع من التمثيل قد تم تقديمه من قبل، في دور الدكتورة كارين فليتشر التي من خلالها تستوعب الحالة المرضية لكيفن، أدته الممثلة بيتي بكلي باقتدار وبكاريزما رائعة، كما أنها أدت ببراعة تلك اللحظة التي تدرك فيها الدكتورة حجم تورطها وجهلها بالعواقب التي ستلحق بها. كذلك لعبت آنيا تايلور جوي دور الفتاة الذكية التي تتذكر كل تاريخيها المؤلم مع عمها، وبحوارات قليلة، لكن تاريخها مع أفلام الرعب كبير لذلك لن تستغرب أداءها، وتركيز المخرج على إظهار تعابير وجهها التائهة وفي نفس الوقت تتحلى بقدر من الشجاعة لإنقاذ نفسها.

Split Movie

ومع أن شيامالان لم يلجأ إلى الإبهار في تصوير المشاهد وترك الأمور بسيطة جداً، بعض الظلال هنا وهناك ومشاهد مظلمة وغير واضحة وكأنها العالم الذي تعيشه في شخصيات كيفن الغامضة، إلا أنه ركز على وجوه الشخصيات بلقطات مقربة في أحيان كثيرة عن تصويرهم بشكل كامل، بالخصوص مع شخصيات كيفين الداخلية حيث كان التركيز كبيرًا على إظاهر تعابيرها؛ أحياناً لا ترى سوى من العين إلى الفم الذي يتحدث، وحتى عند الإنتقال من شخصية لأخرى، أيضا لا يمكنك سوى أن تلاحظ محاولة شيامالان في تقديم الفيلم وكأنه إحدى التجارب لمشاريع التخرج الأكاديمية، البداية الغرافيكية للفيلم كانت بديعة جداً. يلاحظ أن الموسيقى التصويرية التي قدمها ويست ديلان لن تتذكرها بالتأكيد، لكنها أدت دورها ببراعة في جعلك تتفاعل مع كل مشهد بالشكل الصحيح.

يبقى الفيلم بشكل مجمل من أفلام الرعب المعروفة الحبكة مسبقاً، والمتوقعة، ولكنها نجحت في توفير التمثيل العالي مع عنصر الترفيه والإثارة، وأحياناً الكوميديا في مزيج يحسب لشيامالان قدرته على تقديمه مع الحفاظ على تركيز المشاهد على الأحداث والاندماج معها لحظة بلحظة دون ملل أو إثارة زائدة عن حدها.

تقييمي الشخصي:
7.3/10

الإعلان التشويقي للفيلم:

تعليق واحد على

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *